ليث مشتاق

على أوتار سنطور ..

ليث مشتاق - الجزيرة توك

تعتريه رهبة كلما قرأ اسم آلة السنطور .. يتهرب حتى من سؤاله لنفسه لماذا .. ربما لانه بالرغم من حبه للموسيقى الا انه يشعر بالتضائل امام ضربات تلك العصي الصغيرة التي تنفض الغبار عن صور متناثرة هنا وهناك .. لتروي حكاية من بغداد ..  يدخله صوتها في عزلة عن ما حوله ليصغي بقلبه .. فلتلك الآلة البغدادية التي لاتعرفها عاصمة عربية سواها .. نغم فيه من الكبرياء من لايستشعره الا من سار في حارات بغداد ..

صوتها يعرفه شارع الرشيد حين تتجه بخط سير يدلك عليه وجه معروف الرصافي الذي يقف امامك شاخصا هنالك في ساحته .. ليقول لك سر بهذا الاتجاه .. على يمينك .. نعم .. على بعد مئة وخمسين مترا .. سيتسرب الى مسامعك صوت آلة السنطور قادما من نافذة المتحف البغدادي .. ففيه تمثال بغدادي يجلس على تخت وسط نموذج لمقهى ..

   

أنياب الدهر ..

ليث مشتاق - الجزيرة توك

   

الأثــر ..

ليث مشتاق - الجزيرة توك
أصواتهم تتبعني.. تناغم قلبي.. تسيل مدامعي..
   

كَلماتٍ .. على اكُفٍ خَشِنة

ليث مشتاق - الجزيرة توك
بتململٌ استخرج سجارة واشعلها علّه يقتل تلك الدقائق المملة .. فالانتظار في محطة غسل السيارات لايمكنه استغلاله بشيئ .. سوى النظر من حوله اخيراً .. الطقس بارد .. هكذا فكر وهو يضع يده في جيبه سائرا بخطى بطيئة .. تجاه سيارته ليراقب العمال .. وهم يقومون بتنشيفها

ترى من ذلك الشاب .. تسائل في نفسه .. آسيوي من شبه القارة الهندية .. لطيف الوجه بلحية خفيفة .. كان الصامت الوحيد بين جمع العمال .. اخذ يرقبه .. يلاحقه بعينيه .. ليتسائل في نفسه .. من اين انت ؟ .. من هم اهلك ؟ ترى ماهي احلامك ؟ .. نظر الى كف الشاب وقد تشققت من البرد .. والماء .. وطبع عليها السيد الفقر ما طبع من ذكريات .. كانت كافية لتشيح بنظره عن كف ذلك الشاب .. الى ذكرياته هو .. في رحلة عودة طولها عشرون عاما .. ليستذكر تسعينات الحصار على العراق .. وتقلبه بين مهنة و اخرى .. بحثا عن لقمة العيش ..

   

قال لي العود

ليث مشتاق - الجزيرة توك
تصمت كل الأحرف أمامه، ويأخذك حيث هو يريد بانسيابية صوته التي تعطيك أحاسيس متعددة بعدد مقاماته، وتدرج لحن أوتاره.. السيد العود.
ألقى بجسده المنهك بعد يوم طويل من العمل، وسط إضاءة خافتة، أرخى جفنيه ليسمح للحن منير بشير، باقتحام خلوته، ترارارا ترارارااا، ترارارا تراراراا.
نعم، إنها هي ذاتها، التي كانت تعطر مساءات بغداد كل جمعة يترنم بها تلفزيون العراق، ليقدمها من غير كلام، فقط ضربة الوتر الأولى تعلن سلاما بين أصابع منير بشير، هنا معزوفة بغداد.
أخذ يقتفي أثر اللحن، بل وصل به الإصغاء إلى سماع صوت احتكاك أنامل عمر بشير على الوتر، وهو يعيد عزف لحن والده، ولا يعرف إن كان بِراً من عمر بوالده أم بِراً ببغداد حين أعاد توزيعها وعزفها، أم بِراً بكليهما.
أخذ يتسلق أوتار العود واحدا تلو الآخر
   

تايلانوتشكا ..

ليث مشتاق - الجزيرة توك

اللعب.. اللعب.. وأخبرني كيف هي نظرات عيني تايلانوتشكا
اللعب.. اللعب.. وحدثني كيف هي لفتات عيني
تايلانوتشكا

مقطع من أغنية قديمة، تعود للحرب العالمية الثانية، إلا أنه جلس يستمع إليها اليوم بصوت المغنية الروسية تاتيانا بولانوفا، صوتها الدافئ الذي يعيد لأذهان الجمهور الروسي ذكريات الجيش الأحمر، ومعاناة الجنود في الحرب العالمية الثانية.
في آتون المعركة، ومع صوت البارود، استحق الصبي ميدالية، وكانت حاضرة معه دائما، تايلانوتشكا – حبيبته -أخذه صوت تاتيانا إلى هناك، إلى حيث كان يستمع:
"احنا مشينا مشينا.. للحرب، عاشق يدافع من أجل محبوبته، محبوبته
واحنا مشينا للحرب ..
هذا العراقي، العراقي من يحب .. يفنى ولا عايل يمس محبوبته.. محبوبته، واحنا مشينا للحرب"

   

تحت سياط الغفران

ليث مشتاق - الجزيرة توك
"أتلذذ حين أرى خصومي اليوم يتوجعون من غفراني لهم، ويطربني أنينهم كلما أذقتهم عفوي"

الواحدة والنصف ظهر يوم الأحد 26 أكتوبر 1979م كان لصوت جرس المدرسة وقع آخر، أو هكذا أحس به سمير بعد يوم طويل في المدرسة، لم يكن يتبسم تلك الأيام، فصوت عراك أمه وأبيه بات يلازمه طوال اليوم، ويزداد الصوت ارتفاعا في أذنيه كلما طلبت المدرسة من الطلاب الكتابة في صمت.
وسط زحام الطلاب أخذ يشق طريقه نحو باب المدرسة الضيق، اعترته ابتسامة فرح حين رأى أمه وأبيه على باب المدرسة على غير عادة، ربما أحسا بي أخيرا، فلطالما تمنيت هذا المنظر أن يكون أحد ما بانتظاري.
إلا أن جفاف المقابلة أثارت الريبة في نفسه، مممم يبدو أن وراء الأمر ما وراءه، وعلى غير العادة أيضا، ركبت العائلة سيارة الأجرة "تبدو عليهما العجلة" إلى أين!؟

   

قلب.. بعين واحدة

ليث مشتاق - الجزيرة توك
كأنها لم تغب عني.. وكأننا لم نفترق ثماني سنوات!
بالانسيابية ذاتها والهدوء عينه.. جلست على أريكة ناظراً إليها بل ومصغياً يعتريني ذلك الإحساس الذي كان يساورني كلما جلست معها قبل عشرين عاماً، إكبار، إنصات لكل حرف، ومحاولة لقراءة كل إيماءة ولفتة، لقناعتي الثابتة بأنها إنسانة ممتلئة..
لم أتحرك؛ بل كاد نفسي يتوقف وأنا أنصت لصوتها حين قالت:
ليث.. كان هنالك أم تعيش مع طفلها الصغير، الذي منحته الحب والاهتمام والحنان ككل أم، بل وأكثر من أي أم، وحين بدأ يكبر؛ كان يشعر بالحرج؛ وأحيانا بالخجل من أصدقائه؛ لأن أمه بعين واحدة! كان يشعر بالضيق من تلك العاهة، لم يدعُ صديقاً من أصدقائه يوماً إلى بيته، فهو يشعر بالنقص كلما نظر أحد في وجه أمه، يطلب منها التواري عن الأنظار كلما زارهم أحد لسبب ما!

   
لَقِّم المحتوى