ليث مشتاق

الأثــر ..

ليث مشتاق - الجزيرة توك
أصواتهم تتبعني.. تناغم قلبي.. تسيل مدامعي..

كَلماتٍ .. على اكُفٍ خَشِنة

ليث مشتاق - الجزيرة توك
بتململٌ استخرج سجارة واشعلها علّه يقتل تلك الدقائق المملة .. فالانتظار في محطة غسل السيارات لايمكنه استغلاله بشيئ .. سوى النظر من حوله اخيراً .. الطقس بارد .. هكذا فكر وهو يضع يده في جيبه سائرا بخطى بطيئة .. تجاه سيارته ليراقب العمال .. وهم يقومون بتنشيفها

ترى من ذلك الشاب .. تسائل في نفسه .. آسيوي من شبه القارة الهندية .. لطيف الوجه بلحية خفيفة .. كان الصامت الوحيد بين جمع العمال .. اخذ يرقبه .. يلاحقه بعينيه .. ليتسائل في نفسه .. من اين انت ؟ .. من هم اهلك ؟ ترى ماهي احلامك ؟ .. نظر الى كف الشاب وقد تشققت من البرد .. والماء .. وطبع عليها السيد الفقر ما طبع من ذكريات .. كانت كافية لتشيح بنظره عن كف ذلك الشاب .. الى ذكرياته هو .. في رحلة عودة طولها عشرون عاما .. ليستذكر تسعينات الحصار على العراق .. وتقلبه بين مهنة و اخرى .. بحثا عن لقمة العيش ..

قال لي العود

ليث مشتاق - الجزيرة توك
تصمت كل الأحرف أمامه، ويأخذك حيث هو يريد بانسيابية صوته التي تعطيك أحاسيس متعددة بعدد مقاماته، وتدرج لحن أوتاره.. السيد العود.
ألقى بجسده المنهك بعد يوم طويل من العمل، وسط إضاءة خافتة، أرخى جفنيه ليسمح للحن منير بشير، باقتحام خلوته، ترارارا ترارارااا، ترارارا تراراراا.
نعم، إنها هي ذاتها، التي كانت تعطر مساءات بغداد كل جمعة يترنم بها تلفزيون العراق، ليقدمها من غير كلام، فقط ضربة الوتر الأولى تعلن سلاما بين أصابع منير بشير، هنا معزوفة بغداد.
أخذ يقتفي أثر اللحن، بل وصل به الإصغاء إلى سماع صوت احتكاك أنامل عمر بشير على الوتر، وهو يعيد عزف لحن والده، ولا يعرف إن كان بِراً من عمر بوالده أم بِراً ببغداد حين أعاد توزيعها وعزفها، أم بِراً بكليهما.
أخذ يتسلق أوتار العود واحدا تلو الآخر

تايلانوتشكا ..

ليث مشتاق - الجزيرة توك

اللعب.. اللعب.. وأخبرني كيف هي نظرات عيني تايلانوتشكا
اللعب.. اللعب.. وحدثني كيف هي لفتات عيني
تايلانوتشكا

مقطع من أغنية قديمة، تعود للحرب العالمية الثانية، إلا أنه جلس يستمع إليها اليوم بصوت المغنية الروسية تاتيانا بولانوفا، صوتها الدافئ الذي يعيد لأذهان الجمهور الروسي ذكريات الجيش الأحمر، ومعاناة الجنود في الحرب العالمية الثانية.
في آتون المعركة، ومع صوت البارود، استحق الصبي ميدالية، وكانت حاضرة معه دائما، تايلانوتشكا – حبيبته -أخذه صوت تاتيانا إلى هناك، إلى حيث كان يستمع:
"احنا مشينا مشينا.. للحرب، عاشق يدافع من أجل محبوبته، محبوبته
واحنا مشينا للحرب ..
هذا العراقي، العراقي من يحب .. يفنى ولا عايل يمس محبوبته.. محبوبته، واحنا مشينا للحرب"

تحت سياط الغفران

ليث مشتاق - الجزيرة توك
"أتلذذ حين أرى خصومي اليوم يتوجعون من غفراني لهم، ويطربني أنينهم كلما أذقتهم عفوي"

الواحدة والنصف ظهر يوم الأحد 26 أكتوبر 1979م كان لصوت جرس المدرسة وقع آخر، أو هكذا أحس به سمير بعد يوم طويل في المدرسة، لم يكن يتبسم تلك الأيام، فصوت عراك أمه وأبيه بات يلازمه طوال اليوم، ويزداد الصوت ارتفاعا في أذنيه كلما طلبت المدرسة من الطلاب الكتابة في صمت.
وسط زحام الطلاب أخذ يشق طريقه نحو باب المدرسة الضيق، اعترته ابتسامة فرح حين رأى أمه وأبيه على باب المدرسة على غير عادة، ربما أحسا بي أخيرا، فلطالما تمنيت هذا المنظر أن يكون أحد ما بانتظاري.
إلا أن جفاف المقابلة أثارت الريبة في نفسه، مممم يبدو أن وراء الأمر ما وراءه، وعلى غير العادة أيضا، ركبت العائلة سيارة الأجرة "تبدو عليهما العجلة" إلى أين!؟

قلب.. بعين واحدة

ليث مشتاق - الجزيرة توك
كأنها لم تغب عني.. وكأننا لم نفترق ثماني سنوات!
بالانسيابية ذاتها والهدوء عينه.. جلست على أريكة ناظراً إليها بل ومصغياً يعتريني ذلك الإحساس الذي كان يساورني كلما جلست معها قبل عشرين عاماً، إكبار، إنصات لكل حرف، ومحاولة لقراءة كل إيماءة ولفتة، لقناعتي الثابتة بأنها إنسانة ممتلئة..
لم أتحرك؛ بل كاد نفسي يتوقف وأنا أنصت لصوتها حين قالت:
ليث.. كان هنالك أم تعيش مع طفلها الصغير، الذي منحته الحب والاهتمام والحنان ككل أم، بل وأكثر من أي أم، وحين بدأ يكبر؛ كان يشعر بالحرج؛ وأحيانا بالخجل من أصدقائه؛ لأن أمه بعين واحدة! كان يشعر بالضيق من تلك العاهة، لم يدعُ صديقاً من أصدقائه يوماً إلى بيته، فهو يشعر بالنقص كلما نظر أحد في وجه أمه، يطلب منها التواري عن الأنظار كلما زارهم أحد لسبب ما!

ستون ...

نيغاري زوبا ريزا غاروكا.. أي شورو ياشو دو ساري كيزا ري كيزا"
ليث مشتاق - الجزيرة توك
طلاسم سحرية.. كلا .. بل: متى ستعود الشمس فوقنا.. من يظهرها لنا تارة أخرى؟!!
تلك مقدمة أغنية صوت الملايين التي اشتهرت في فلم (فندق رواندا) التي جسدت حكاية إنسانية.. لبعض ما جرى في رواندا إبان الاقتتال بين الهوتو والتوتسي في تسعينات القرن الماضي..
أما المناسبة.. فالاحتفال (بفقدان 60 من أطفال العراق) جراء التفجيرات الأخيرة في مبنى وزارة العدل.. ومحافظة بغداد.. الاحتفال الراقص.. فوق أشلاء بشرية ودماء سالت هناك.. أرجوكم.. لحظة.. لا تسألوني عن العناوين التي أدرجت تحتها التفجيرات.. فلم تعد مهمة.. لا للجناة ولا للمجني عليهم.. ارقصوا.. وسأرقص معكم..

عمنا القمر..

 ليث مشتاق - الجزيرة توك

لم تتمالك عيناي رؤية ذلك المنظر.. وأنا أطالع تلك الصور.. صاروخ.. يقترب.. يقترب.. يقترب.. ليصيب القمر.. عمنا القمر.. حبيبنا القمر.. صديقنا القديم.. القمر
شعرت بوخزة في القلب.. حزن اعتراني.. ليترجمه شيء من تلك التي ترطب الوجه أحياناً..
غابت شمس ذلك اليوم.. ركبت سيارتي متجها إلى كورنيش الدوحة.. هناك حيث اعتدت الوقوف.. عند الميناء.. ثم!!
عند الأفق.. ظهر بضوء خافت.. محمّر.. كبير كما كان دائماً.. لكنه صامت هذه المرة..
عمو (القمر).. أطرقت برأسي خجلا منه.. لكنه فهم ما أعني.. غفلت عنه دقائق.. ليعود في أذني.. صوت جدتي.. وعجائز بغداد.. حين يتكلمن عن ابتلاع الحوت للقمر كما هو في تراث البابليين وغيرهم.. عند رؤية الخسوف.. فيخرج الأولاد في الشوارع.. والنساء في بيوتهن.. ينشدن

منزل الدكتور بوخ .. اللقاء

ليث مشتاق - الجزيرة توك - برلين
سيدي العزيز .. حدثني عن البدايات .. بداياتي كانت مع الكتابة .. حيث اتممت كتابي الاول في سن مبكرة .. وهو عبارة عن مجموعة قصصية .. ثم تدرجت لاكتب عن الرحلات التي قمت بها ومشاهداتي عن ثقافات وتقاليد البلاد التي زرتها.. وكان ذلك ضمن عملي في مجلة جيو .. ( التي تشبه الى حد ما نشيونال جيوغرافي ) .. حيث ارسلت في بعثة الى افريقيا .. وتحديدا الى نهر النيجر .. ( من بوماكو حتى غاروا على الحدود التونسية ) .. ثم ارسلت الى هاييتي باعتبارها موطن اسرتي الاصلي .. فتوجهت الى هاييتي التي تقع في البحر الكاريبي في نوفمبر 1987 .. وصادف وجودي الانتخابات الديمقراطية الاولى في ذلك البلد ..

منزل الدكتور بوخ

.. مقدمة
ليث مشتاق - الجزيرة توك - برلين
"مشاهير الصحفيين عادة لايذهبون الى اماكن مثل تلك واقول بالرغم من انهم مشاهيرالا انهم جبناء "
.. خمس دقائق او اقل .. كانت كافية لتشعرني بترابط غريب مع ذلك الانسان .. بل اكثر من ذلك .. كنت انظر لنفسي .. في مشيته .. حركاته .. طريقة كلامه .. فأحسست بأن شيئا ما .. ربما يكون نقطة التقاء بيني و بين " الدكتور هانز بوخ "

دكتور هانز .. الذي جمعني به القدر في مدينة برلين صيف هذا العام حين كنت في زيارة الى المانيا لحضور حفل تكريم لبرنامج ( بغداد تتنفس .. ) الذي حاز على افضل قصة انسانية عام 2008 .. لأتعرف على دكتور هانز الصحفي .. المغامر .. الانسان ..
لَقِّم المحتوى