|
مذكرات صحفي معتقل ( 12 )
حسين دلي - الجزيرة توك - خاص

كنا قد قلنا إن القوات الامريكية قد وصلت إلى تقاطعين رئيسيين في المدينة في القاطع الشمالي من المدينة ، أدرك حينها جميع من كان في الفلوجة مدى ضراوة المعركة وأنها تختلف عن المعركة الأولى بقوة القصف وأن دخول المدينة أصبحت مسألة حياة أو موت للأمريكان وأن القوات الأمريكية علقت حاضرها ومستقبلها في العراق على هذه المعركة ولذا اعتبرها الكثير من المحللين أنها أشبه بمعركة دخول العراق وأنه مهما بلغت التضحيات والخسائر وسفك الدماء وانتهاك الحرمات فلا بد من دخول المدينة والسيطرة عليها ولذا كانت أول الأمور التي أرادت القوات الأمريكية التخلص منها ..
هي وسائل الإعلام وكانت قد طلبت من ربيبتها الأسوشييتد بريس إخراج صحفيها ومصورها من المدينة علماً أنه كان من أهل المدينة وكان هذا قبل المعركة بثلاثة أيام ثم بعد دخولها ووصولها إلى التقاطعين نادت بمكبرات الصوت وقد أصبح الصوت مسموعاً بأن على الإعلاميين - صحفيين ومصورين- الخروج من المدينة وأنهم معرضون للخطر والمسآلة إذا قبض عليهم .
باستثناء مراسل الأسوشييتد بريس الذي خرج قبل المعركة فإن أحداً لم يخرج من المدينة إلا بعد اشتداد عنفوانها ومما زاد من صعوبة وضعنا أن جهاز البث أو ما يعرف بال-SNG - الوحيد في المدينة الذي كان يخص وكالة الإخلاص التركية قد طلبوا منهم الخروج بعد أن علموا أن الأمور أسوأ مما كانوا يتوقعون أو يتخيلون فغادروا في اليوم الثاني وكانوا أملنا الوحيد في إرسال الصور إلى القنوات و الوكالات، لكن كان رأي بعض من بقي من المراسلين والمصورين ومنهم وللتأريخ نذكرها مصوروا رويترز والعربية ودبي قد بقوا داخل المدينة على أساس أن ما لن نستطيع بثه فعلى الأقل نوثق به حجم الجرائم وبنفس الوقت نكون صوت آهات المدينة للعالم.

في اليوم الثالث من المعركة وفي الساعة الثالثة ليلاً قصفت القوات الأمريكية المستوصف الطبي الضعيف الإمكانيات والوحيد داخل المدينة فأحالته ركاماً، ولم نكن نعرف أن المستشفى هي المستهدفة إلا بعد أن سمعت طرقاً قوياً على باب البيت أخافنا ولكن تبين أنه عمي الذي كان يعمل في المستشفى مضمِداً وبعد دقائق من الإرتباك واللعثمة فهمت منه وبصعوبة أنه نجى من الصوارخ التي دمرت جزءاً كبيراً من المستشفى فسألته عن الأطباء - وأغلبهم أصدقائي – هاشم وعماد وأياد وأحمد وفراس فقال إنه لا يعلم فلقد علا الدخانُ المكانَ وخرج من الأنقاض مسرعاً خشية تجدد القصف وقد سقط صاروخ طائرة في غرفة مجاورة للتي كان فيها فولّى من بقي حيّاً- والكلام لعمي- هارباً كل ينجو بنفسه وكان المستوصف يبعد عن بيتنا مئتي متر في نهاية الحي الذي أقطنه وعلى الفور اتصلت بعدد من الوكالات والقنوات ولكن السبق كان للجزيرة فأخبرتهم بما حدث وعلى نشرة الساعة الخامسة فجراً بعد استجماع آخر المعلومات وكانت ذلك آخر ظهور لي على الهواء .
ومن جملة ما قد رأيناه على الجانب الأيمن من الشارع كانت بعض الجثث لشباب الحي منهم الإخوة عبد الوهاب وعادل وهم أخوان والأخ خالد ومعهم شاب يافع علمت فيما بعد أنه لولد لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره وهو حسام قُتلوا بعد أن خرجوا لصلاة الفجر ولم يعرفوا أن الدبابات الامريكية قد وصلت إلى مشارف الشارع الرئيسي المعروف بشارع المكتبات الذي يقطع حيّنا وعلى الجانب الأيسر الأخ سعدون - رحمهم الله- فقتلتهم رشقة من رصاص الدبابة التي تشرف على الشارع .

في اليوم الذي يليه شهد حيّنا هدوءاً نسبياً وكان ذلك اليوم الخامس من المعركة - 10من نوفمبر – تشرين الثاني الموافق ل27 من رمضان- بعد أن تسحرنا على ما تبقى لدينا من طعام ثم قررت الخروج في الساعة العاشرة صباحاً بعد أن شحنت جهاز الموبايل على شاحنة السيارة وكنت قد أوصيت جاري الذي كان يمتلك مولداً للطاقة الكهربائية أن يشحن لي جهاز الثريا لأنه وكما تعلمون فقد قطعت القوات الأمريكية الكهرباء عن المدينة وكان المولد- قدراً- عاطلاً منذ يومين للأسف لأرى إن كان بإمكاننا الخروج من الحي عسى أن نكون أقرب إلى موقع الحدث بعد اكثر من عشرين ساعة لبثاً في البيت وأوصيت أخي أن ينتبه لنفسه إن واجهتنا مصاعب وتوكلت على الله وخرجت وكان موقع بيتنا ألأخير في الشارع أي ركنه فحاولت أن أستطلع من حائط جارنا الأخ حامد ومشيت بهدوء الحذر وأنا أرقب الشارع الفرعي يميناً وشمالاً ووصلت إلى الجهة المقابلة لبيتنا فمددت رأسي لأرى إن كانت الدبابة مازالت على حالها ورأيتها موجهة فوهة برجها المدفعي إلى الحي ترقباً لأي حركة ولكن.. باغتتني طلقة قناص أمريكي من الجهة الثانية للحي أي على الشارع الثاني شارع مركز الشرطة ويبدو أنهم تسللوا لبناية الشرطة وبناية القسم الداخلي التي ترتفع لثلاثة طوابق وتشرف على حيّنا .

اخترقت جسدي من أسفل عظم الورك مسامتة للعظم بدون أن تكسره وخرجت من منطقة العانة فوق المثانة بسنتمتر واحد – بالطبع هذه المعلومات عرفتها فيما بعد- . لقد تفاجئت من هذا لأني كنت قد اتصلت بصديقي الذي يسكن من ذلك الحي المجاور وقال لي إن المنطقة خالية ولا يوجد فيها عراقي أو أمريكي ونحن كنا نسمع الإشتباكات من الجهة الثانية ولذا ولد الحادث استغراباً شديداً عندي وأنا في تلك اللحظات التي بدأت أنفاسي تتسارع فيها ولكن – قدر الله وما شاء فعل وبعد الإسترجاع وحمد الله - كان أول شعور لي أننا قصرنا بحق المدينة وأن صوتي سيغيب فتألمت وتذكرت قول عنترة لحبيبته عبلة واصفاً ذكراها :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
لحظات سريعة ما زلت أتمالك نفسي فيها واقفاً وبدأت حرارة جسمي ترتفع حينها انتبهت أن جرحي ينزف بغزارة لأول مرة بهذه الكثافة وعندها ...
|