|
أحمد موفق زيدان
التصريحات والإشارات المتناقضة التي تأتي من طهران ومن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وطاقمه تدع العامة في حيرة حيال فهم كواليس السياسة الإيرانية ودهاليزها ،لكن المتتبع لسيرة وتصريحات المسئولين الإيرانيين يلمس بوضوح أن ثمة أكثر من نجاد في طهران، وكل نجاد يعمل وفق إيقاع مرحلة محددة الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، بما يتوافق ويتواءم مع الأجندة الإيرانية، التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمصلحة الأمة الإسلامية كما يدعون، وإنما علاقتها أولا وأخيرا بتعزيز الإمبراطورية الفارسية التي يحلم بها نجاد وغيره.
مثل هذه التصريحات المتناقضة تعكس بشكل واضح لا لبس فيه مدى زحف عقيدة التقية الدينية إلى الممارسة السياسية الإيرانية، وإلا فما معنى تصريحات نجاد الأخيرة والتي يهدد بها بإزالة دولة " إسرائيل" أما أنا فلا أحبذ تسميتها بذلك وإنما أفضل تسميتها بالكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين التاريخية، نجاد كان قد أطلق تحذيرات أخرى شبيهة بذلك في السابق، كما أطلقها من قبله الخميني وخامنئي ورافسنجاني، وكما يقولون الكلام ليس عليه جمرك،
وبالتالي فما الذي يضير المسئولون الأميركيون من هكذا تصريحات لا تكلفهم شيء سوى التهديدات الفارغة التي تذكرنا بتهديدات المستبدين العرب وهم أخلص المخلصين لبقاء وتوسع دولة الكيان الصهيوني، وبالمقابل يضحك الإيرانيون في هذه التصريحات على البسطاء منا، نجاد هدد أيضا بأن أي هجوم صهيوني على لبنان في الصيف المقبل سيدفع إيران إلى الرد وبقوة،ولا أدري بماذا يفسر الرئيس الإيراني صمته صمت القبور على هجوم الصيف الماضي، وكيف يفسر صمته ووقوفه المتفرج على إبادة الشعب الفلسطيني غدوة وعشيا، وكيف يفسر تعاونه مع " الشيطان الأكبر" في بغداد وكابول وجلبه إياهم إلى حديقته الخلفية بتعاون إيراني واضح دون أن يرف لها جفن، بل إن إيران التي قطعت ولم تقم أي علاقة مع بغداد صدام حسين، وطالبان الملا محمد عمر وهما كانا من أعدى المعادين للأميركيين إن كانوا بالفعل أعداء لإيران، ها هي تقوم طهران ونظام نجاد بالاعتراف بالنظامين والدفاع عنهما، ومن قبل التنسيق الكامل الإيراني ـ الأميركي لجلب القوات الأجنبية إلى المنطقة وهو ما تفاخر به رؤوس النظام الإيراني في أكثر من مناسبة، لا حاجة للتفصيل فيها الآن.
كل هذا يفسره جملة لصحافي فرنسي على ما أعتقد حين علق على تناقضات تصريحات المسئولين الإيرانيين والتغير في مواقفهم وسياساتهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بقوله:" إن من يتعامل مع المسئولين الإيرانيين كمن يخضع نفسه لطبيب أسنان يخلع ضرسه بدون بنج." ، وحين رد الإيرانيون على رسالة أو طلب لمجلس الأمن الدولي بشأن تخصيب اليورانيوم، استدعى فهم الرسالة الإيرانية جمع إ خبراء في علوم الفلسفة والاجتماع والسياسة من أجل أن يفهموا مضمون الرسالة الإيرانية فعجزوا أن يعثروا على رد في طيات هذه الرسالة..
وفي الوقت الذي كان يهدد نجاد الكيان الصهيوني كان وزير خارجيته منوشهر متقي قبله يومين أو ثلاثة من هذا التصريح ، يبرر له تصريحاته السابقة عن إزالة دولة الكيان الصهيوني " وحينها صدق الفرزدق القائل أبشر بطول سلامة يا مربع " متقي رد على سؤال للصحافيين في أن نجاد هدد بإزالة "إسرائيل" فقال متقي إنه لا أحد يستطيع أن يزيل دولة من على الخريطة…
وهنا يصدق كلام إخواننا المصريين أسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك أستغرب، وإلا فكيف نفسر الاتصال الإيراني ـ الأميركي على هامش قمة شرم الشيخ، وكذلك الاجتماع الحاصل في بغداد بين الطرفين لبحث الملف العراقي، والذي مهد له الأميركيون بإشارات إيجابية متنازلين عن مواقف سابقة حين حلوا لجنة لزعزعة الاستقرار للنظامين السوري والإيراني ، بالإضافة إلى الظهور المفاجئ لمقتدى الصدر في مسجد الكوفة وتغليف خطابه بالاعتدال الظاهري حتى الآن، بينما كانت تتحدث المصادر الإعلامية الغربية عن محاولة أميركية لقتله، كل ذلك يشير إلى أن مرحلة التعاون المكشوف ربما تترى أكثر وأكثر بعد أن كثر الحديث عن الانسحاب الأميركي من العراق، وبالتالي لا بد من ملء الفراغ في حال الانسحاب مع ضمان المصلحة الأميركية، والتي يبدو أن إيران خير من يقوم بذلك ……
|