|
ياسر أبو هلالة
لن يطالب أحد بالتحقيق في ما شهده مخيم البارد في شمال لبنان .وستطوى صفحة المواجهات باعتبارها نصرا مؤزرا للجيش اللبناني في أول حروب القرن التي يخوضها . هل فعلا نفذت مجموعة " فتح الإسلام " الكمين الذي أودى بحياة العسكريين اللبنانيين ؟ أم أن طرفا ثالثا ( وهم كثر ) يرغب في تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان بشريا وعسكريا ؟ وعلى افتراض صحة اتهام " فتح الإسلام " فهل نفذ الجيش اللبناني عملياته العسكرية وفق القواعد الدولية التي تحترم حياة المدنيين العزل ؟ أسئلة كثيرة أخرى لن يجاب عليها من خلال جهات تحقيق مستقلة فالفلسطينيون سواء كانوا في غزة أم في البارد حالهم كما قيل " لو كنت من مازن لم تستبح إبلي .."
غير أن غياب الإجابات والتشويش في المعلومات لا يغطي البديهيات التي يجدر التذكير بها . في علم السياسة تحتكر الدولة القوة المنظمة . ولا يجوز لأي جهة إنشاء تنظيمات عسكرية خارج إطار الدولة . سبب الحرب الأهلية في لبنان كان بسبب وجود ميليشيات خارج إطار الدولة . وجاء اتفاق الطائف ليعيد احتكار الدولة للسلاح المنظم . لكن في التطبيق ولاعتبارات كثير ظل سلاح حزب الله وسلاح المخيمات خارج إطار الدولة ، وإن كان بعلمها وخاضعا إلى درجة كبيرة لحساباتها .
وحتى بعد اغتيال الحريري لم يكن السلاح الفلسطيني موضوعا ساخنا في لبنان . تقدم عليه سلاح حزب الله وخصوصا بعد حرب تموز . وللمرة الأولى غدا فريق السلطة يتحدث عن سلاح حزب الله باعتباره خارج الشرعية . بل صادر الجيش اللبناني بالفعل صواريخ حاول الحزب تهريبها للجنوب . في المقابل لم تكن تخفي أوساط المعارضة قلقها من استخدام فريق السلطة للسلاح الفلسطيني في حسابات داخلية . وجرى حديث عن دعم تيار المستقبل لتنظيم جند الشام ولتنظيمات سلفية جهادية لمواجهة سلاح حزب الله .
بالنتيجة بدأت الدولة بتنفيذ استحقاق نزع السلاح الفلسطيني ، وهي مهمة سهلة لو أديرت بكثير من السياسة وقليل من القوة . فالفلسطيني في لبنان يعامل بعنصرية فاضحة تنظمها تعليمات الدولة ولوائحها وقوانينها . فخلافا للبشر الذين يعيشون على سطح الكوكب لا يحق له مزاولة خمس عشرة مهنة ولا يحق له التملك أو ممارسة حياته الطبيعية . التطبيق القاسي لتلك السياسة جعل المخيمات عبارة عن أكداس لبشر غاضبين ساخطين يائسين يمكن أن يعاد بعث الألوية الحمراء الإيطالية فيهم . وبدلا من الضغط السياسي على إسرائيل واستثمار معاناة اللاجئين لفضح عدوانيتها عومل اللاجئون بسادية وفاء لحق العودة .
إسرائيل خارج إطار النقد في المعركة المحتدمة . بديهية أخرى . فالإرهاب هو اقتناء مئة وخمسين فلسطينيا وعربيا لسلاح يقولون أنه لمحاربة الاحتلال ، وشاكر عيسى يجب أن يقدم لمحكمة جرائم الحرب الدولية أما شارون فهو على سرير الشفاء الطويل بانتظار جنازة تاريخية يندب فيها كثيرا على فقد أخر صناع السلام . أما شركاؤه في القوات اللبنانية وعلى رأسهم سمير جعجع فهم منشغلون اليوم بإرساء قواعد المجتمع الديموقراطي الحر القائم على احترام حقوق الإنسان !
لا داعي للسلاح الفلسطيني في لبنان اليوم . وهو كذبة لا معنى لها . أهم فصيل فلسطيني مقاوم هو حماس وليس لديها قطعة سلاح في لبنان ، فلماذا تحرص التنظيمات الأخرى على اقتناء سلاح غير قادر على حماية الفلسطنيين ولا على محاربة إسرائيل . ولا يجوز أن يستخدم هذا السلاح الصدئ في حسابات لبنانية داخلية لا علاقة لها بالصراع مع إسرائيل . بل يستغل من قبلها ومن قبل حلفائها لتشويه المقاومة الفلسطينية .
يسهل حل عقدة السلاح في المخيمات إذا ما قورنت بسلاح حزب الله . فالبديهي أن الدولة في لبنان ليست دولة بالمعنى المتعارف عليه عالميا . فكل فريق له دولته .هي أقرب لكونفدرالية عندك دولة السيد حسن نصرالله للشيعة ودولة غبطة البطرك نصرالله صفير للموارنة ودولة الشيخ سعد الحريري للسنة ودولة وليد بيك للدروز ، وبينها دول أخرى تصغر وتكبر . الجيش الذي يشكل العمود الفقري للدولة مجمع عليه نظريا . لكنه عاجز عمليا عن فعل أي شيئ ،وبدا ذلك في عدوان تموز عندما تهكم عليه شيمون بيريز وقال أستغرب كيف تملك دولة جيشا م سبعين ألف ولا يطلق طلقة في الحرب ! وتضاعف عجزه في المواجهات الدخلية بين فريقي السلطة والمعارضة . فحتى يفرض حظر التجوال في بيروت تشاور مع كل القوى السياسية .
يخوض الجيش اللبناني أولى حروبه في مخيم البارد وسط إجماع هش . وسيخرج منتصرا عسكريا في مواجهة غير متكافئة ومحسومة لصالحه وبدون أي مساعدة أميركية ! لكنه سيجد نفسه مستنزفا بعدها في حروب لا قبل له بها . و كان الأكرم له وللبنانيين وللفلسطينيين ، أن يتعامل بصبر مع " فتح الإسلام " ، تماما كما صبر في عدوان تموز ومن بعدها مواجهات الجامعة العربية في بيروت .
|