قرن وعقد من الزمان مرت على إنطلاقة المشروع الصهيوغربي لإحتلال فلسطين، بعد ذلك اليوم الذي وقف فيه الاب المؤسس للحركة الصهيونية، عقب انتهاء أعمال مؤتمر "بازل" بشعره الابيض الاشعث ووجهه الحاد الملامح بعينيه الغائرتين وفمه الواسع ويختتم فرحا "الان.. وبعد إنتهاء هذا المؤتمر أستطيع القول ان دولة اليهود ستقوم بعد خمسين عاما من الآن.." مخلدا مقولته التي كرست كدستور في الادبيات الصهيونية لمدة خمسين عاما، لم تكن كافية على ما يبدو للعرب آنذاك ليجدوا تبريرا للنكبة عدى المفاجئة، رغم مرور نصف قرن على كلمات بن غوريون!
اليوم وبعد مرور ستة عقود على تمكن العصابات الصهيونية المدعومة من المنظومة الغربية من فرض سيطرتها على الاراضي الفلسطينية وطرد مانسبته 70% من سكانها الاصليين عام 48 يبقى السؤال، إن كان بن غوريون يشعر بالراحة في قبره الان ودولته لم تكف عن كونها حالة طارئة لا تمتلك أسباب الحياة الطبيعية، كما لا يملك مستوطنوها روح المواطنة والشعور بالكيانية المستقلة حتى مقارنة بحلفائهم الغربيين وداعميهم العالميين.
قضية أمة لا شعب
إنها فكرة النكبة الثقافية، الموازية للنكبة الجيوسياسية، التي كان ولا يزال من أهم اهدافها محاولة إلغاء الصبغة التاريخية عن الشعب الفلسطيني الاصيل في منطقته الجغرافية العريقة التي سكنها على مدى آلاف تسعة من السنين ضمن منظومة سوريا الكبرى أول منطقة شهدت حضورا إجتماعيا كيانيا مدنيا على وجه الارض، مراهنة على نجاحها بقدرتها على تسويق بعض الإنجازات الثقافية والسياسية على الامة العربية الجسم المنبت لفلسطين التاريخية، على غرار الاعتراف ب"إسرائيل" أو الخضوع لما يسمى قرارات الشرعية الدولية.
ستة عقود، كانت كافية لإرضاء شعور العظمة لدى الصهاينة، مقارنين حجمهم الصغير بالثلاثمائة مليون عربي المحيطين بهم، وبنجاحهم التاريخي في تثبيت إحتلالهم للمرة الثانية في التاريخ على الجزء الجنوبي من سوريا الكبرى، مرهانين على تحطيم الرقم القياسي الاول –الذي لم يتجاوز السبعين عاما من الاحتلال- ومجتهدين على منع ظهور "نبوخذ نصر" آخر يحطم دولتهم ويسبيهم مجددا لبابل او يرميهم في البحر، خاصة بعد تمكنهم بمساعدة القوى الامبريالية الكبرى من توجيه الضربات المباشرة الى الوحدة القومية العربية على مدى سنوات بدأت قبل النكبة.
هل نسي الصغار؟
الا أن هذه السنوات الستون لم تكن كافية-رغم بذل كل ما في جعبتها من أدوات ومكائد بدءا من المجازر وليس انتهاء بتجييش المحافل الدولية- للقضاء على المعول الذي سيكون السبب الرئيسي في انهيار تلك الدولة طبيعيا مهما بدت الظروف غير مواتية، ألا وهو قضية المهجرين المتمثلة بحتمية العودة.
إنها كارثة الرهان الصهيوإمبريالي العالمي، الذي جاء على غير لسان، وفي غير مناسبة، الرهان على إضمحلال القضية الفلسطينية بالتقادم، وبوسائل التحييد الثقافي، فكانت قناعة رئيس السي أي إيه ومن ثم وزير خارجية الولايات الامريكية جون فوستر دالاس تبدو راسخة وهو يعبر بإبتهاج عن رأيه في مقاومة الشعب الفلسطيني بل حتى ووجوده حين قال " سيندثرون تحت أقدام الفيلة، إن هذه القضية ماتت تماما".
ومن ثم المقولة الاشهر والاكثر إيمانا في الادبيات الصهيونية، حتى يخيل للقارئ أنها باتت سفرا من أسفار التلمود، منذ أن أطلقها الصهيوني "ونستون تشرتشل" رئيس الحكومة البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية، ورددها ورائه بإيمان أكبر كل قادة الكيان من بن غوريون حتى غولدا مائير.." الكبار سيموتون والصغار سينسون".
أرض لا تقبل القسمة

ورغم تمكن الحركة الصهيونية بمساعدة الامبريالية العالمية من انشاء ما يسمى "دولة اسرائيل" بعد تهجير المواطنين الفلسطنيين وترويج فكرة دولة اليهود على أرض بلا شعب ردحا من الزمن على أمل اندثار فكرة العودة بالتقادم، فإن هذا التقادم بات الوسيلة النضالية الاكثر بروزا في النضال الفلسطيني عبر تجميع نتاج اكثر من نصف قرن ديمغرافيا ونضاليا في الداخل والشتات، حتى تراجعت الخطط الاستراتيجية الصهيونية خطوات الى الوراء بعيدا عن مشروعها الاكبر الذي كان سيشمل وفق ادبياتها الاستراتيجية الكبرى باقي أجزاء سوريا الكبرى ومناطق من الجزيرة العربية ووادي النيل، لتعود الى مربعها الاول الذي رفضته سابقا بصيغتيه الامميتين – نسبة الى قرارات الامم المتحدة والمبادرات الدولية- التقسيم، او الدولة ثنائية القومية، محاولة استغلال ما يسوقه بعض الفلسطينين وعلى رأسهم عضو الكنيست المستقيل عزمي بشارة عن "حكم فلسطيني ذاتي ثقافي" في دولة ثنائية القومية شكليا تحكمها الحركة الصهيونية، وهي الصيغة الامثل في الوضع الراهن إن صهيونيا بعيدا عن إظهار التأييد إعلاميا، أو سياسيا للطبقة التسووية الفلسطينية التي تسعى الى ابراز تأييدها للمشروع اعلاميا في تبادلية أدوار واضحة، تضمن أفقا عمليا لمستقبل "إسرائيل" وضمانا فئويا فلسطينيا بالتوقف عن النداء بحق العودة، ضمن مشروع سياسي يحول النضال الفلسطيني من كفاح تحرري الى ما يسمى "نضالا سلميا" سقفه "مناهضة تمييز عنصري" تحت سقف "دولة شرعية" معترف بها من "أقلية عربية" همها نيل "حقوق ثقافية"، في صيغة تناسخية أريد لها ان تشبه حركة السود في أمريكا وجنوب إفريقيا، مما يكرس ثقافيا وسياسيا للكيان الديمقراطي.
حتمية العودة
إن فكرة العودة –ليست تحت شعار (حق العودة) الذي قد يوحي بإعطاء الحق للتنازل عنه، بل تحت عنوان (حتمية العودة) هي ما يجب الايمان به- هي الرقم الصعب في وجه الاحتلال الصهيوني، وهي الجذر الاساسي لمعدلة التحرير القادم الذي تحدث عنه بصراحة مباشرة عمير بيرس مؤخرا دون مواربة حين قال أن حق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم هو «نهاية الحلم الصهيوني ونهاية الدولة الصهيونية».
رغم النضالات القاسية التي خاضها ويخوضها الشعب الفلسطيني بشقيه الداخليين (فلسطين 48، 67) وعلى رأسها المقاومة المسلحة التي حولت هجرة اليهود الى فلسطين، الى هجرة منها. فإن القلق الصهيوني يجن جنونه كلما ذكر فلسطينيو الشتات، الذين ستعني عودتهم تحت أي بند، وأي ظرف زوال "إسرائيل" حتميا، ليس بسبب ما باتت تسمى القنبلة الديمغرافية الفلسطينية التي فتت طوفان المهاجرين اليهود الى فلسطين وحسب، بل لأن أي فرصة لتوفر أرضية جغرافية وثقافية مهيئة للشتات الفلسطيني ستعني إعادة إشعال جذوة الشعور القومي العربي والاممي الاسلامي لتحرير أولى القبلتين، وإعادة الصراع الى منطلقه المبدئي الاول على قاعدة أن الصراع هو صراع وجود لا صراع حدود او تقاسم سلطات او نضال ضد العنصرية، على أرض تاريخية لا تحتمل القسمة أبدا ولا تتسع الا لشعبها الاصيل ضمن إمتداده العضوي الطبيعي لأمته العربية التي تشكل فلسطين قلبها، أو كما قال نابليون ذات مرة عنها "رقبة العالم العربي من أمسكها فقد أمسكه".
اتمنى على الاخوة أخذ ملاحظتك بعين الاعتبار وتصحيح الخطأ، مع اعتذاري لهم وللقراء الكرام