|
جمال ريان - الجزيرة توك
وصف محلل سياسي أميركي زيارة نائب الرئيس الأميركي "ديك تشيني" الى الشرق الأوسط بأنها "غامضة"، وأنّ الحلقة الأهم فيها هي زيارة الملك عبدالله بن عبد العزيز، مشيرا ألى أنّ جولة "كونداليزا رايس" وزيرة الخارجية الأميركية فشلت في السر وكانت "باردة" في العلن. وهذا ما دفع الرئيس الأميركي بوش الى تكليف نائبه بزيارة كل من الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر والأردن و العراق أيضا ليلتقي برئيس الوزراء "نوري المالكي" الذي تحادث مع بوش قبل أيام (بواسطة الدائرة التلفزيونية) وطمأنه الى أنه اتخذ القرارات التي تضمن ملاحقة الميليشيات.
ووصل نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني اليوم إلى بغداد، في زيارة غير معلنة، ضمن مساعي الإدارة الأمريكية لتحقيق مصالحة وطنية بين جميع أطياف المجتمع العراقي. وقال مراسلون يرافقون تشيني إن التوقف في بغداد جاء ضمن أول محطة في جولته للشرق الأوسط، وتهدف إلى مضاعفة جهود إنهاء الاقتتال بين العراقيين على اختلاف أصولهم العرقية والمذهبية. والتقى تشيني مع الجنرال ديفيد بيترايوس، قائد القوات الأمريكية في العراق والسفير الأمريكي الجديد رايان كروكر، اللذان أوجزاه بحقيقة الأوضاع.
وأوضح "ديفيد اغناتيوس" المحلل السياسي في صحيفة الواشنطن بوست قوله: إنّ العاهل السعودي ظهر (خلال الشهور التسعة الماضية) الزعيم القوي الإرادة والأكثر أهمية بالنسبة لإدارة بوش بين الحلفاء العرب. فهو الذي أطلق حملة هجومية في الخريف الماضي لاحتواء التأثير الإيراني في العالم العربي ومواجهة تهديداته. وأنه دعم المصالح الأميركية في المنقطة على الرغم من تراجع الوضع الأمني في العراق. وأكد المحلل السياسي أن تشيني (بسلوكه المتجهم الخشن والصريح) يجاري مجموعة الأخلاقيات الكلاسيكية التي تحرص واشنطن على مراعاتها في علاقاتها مع الملك عبدالله، كالكرامة والوقار، الخ. الزيارة تهدف في المقاوم الأول (المعلن طبعاً) الى الاطمئنان على تحالف الطرفين وتأكيد هذا التحالف. لكنها في صفحاتها (السرية) تهدف الى بحث بعض نقاط الخلاف بشأن القضية الفلسيطينية والعراق.
فالسعودية سبق أنْ أعلمت واشنطن أنها تريد تأسيس قناة اضافية للاتصال بالقيادة الاميركية لتفادي سوء التفاهم الذي يظهر احياناً بسبب عدم تقديرات الوسيط، والحديث هنا عن "الامير بندر بن سلطان" السفير السعودي السابق الذي عين مستشاراً للأمن القومي.
ويرى المحللون أن واشنطن أزعجتها مؤخراً تعليقات صدرت من الملك عبدالله بن عبد العزيز لعدة أسباب أهمها:
أولاً أنه تعارض مع التوجهات الأميركية لعزل "حماس" التي تعدها واشنطن منظمة ارهابية، وتبنى اتفاقية مكة المكرمة التي هيأت الظروف لظهور حكومة وطنية في السلطة الفلسطينية.
ثانياً: فاجأ المسؤولين الأميركان بأنْ سمّى الاحتلال العسكري للعراق غير شرعي في خطاب الى قمة الدول العربية.
ثالثاً: أنه رفض دعوة عشاء في البيت الأبيض خلال شهر نيسان الماضي.
و"اغناتيوس" يرى أنّ نقد الملك عبدالله للغزو الأميركي وعدّه "غير شرعي" يعكس خوف الزعيم السعودي العميق من الإستراتيجية الأميركية، فقد عمل في السابق على الإصغاء لنصائح واشنطن وحاول دعم حكومة نوري المالكي، لكنه وصل الى حالة احباط من الوضع برمته ولهذا تخلى عن فكرة ان المالكي قادر على وقف الانقسامات الطائفية وتوحيد البلاد. وثمة من يقول ان القيادة السعودية تعتقد أن الخطة الإستراتيجية الجديدة اذا فشلت في العراق، فإن الخطر سيتعمق وستنحدر البلاد الى حرب أهلية شاملة يمكن أن تؤثر في مناخ المنطقة كلها.
إنّ "الصفحة الخفية" في زيارة ديك تشيني هي الاحتمال الذي تضعه واشنطن مع حلول الخريف المقبل بأنْ تفشل خطتها الأمنية في بغداد، فتلجأ الى تعليق فشلها برقبة رئيس الوزراء المالكي، لهذا (برأي محلل الواشنطن بوست) أن تشيني سيتحدث طويلا مع السعودية (بتفصيلات معمقة) ومع الأطراف الأخرى (بالنتائج التي عليهم ان يلتزموا بها) حول آراء الملك عبدالله الذي يفضل استبدال حكومة المالكي (التي تهيمن عليها أحزاب شيعية مدعومة من إيران) بحكومة علمانية يتولى تشكيلها رئيس الوزراء السابق (أياد علاوي) فهو علماني شيعي وبعثي سابق وله بعض المناصرين بين الأطراف السنية، إضافة الى أن السعودية يمكن أن تساعده مالياً وسياسياً وتأثيرا في كثير من الأطراف السنية. وطبقاً لمستشاري علاوي فإنّ إستراتيجيه تؤكد على استغلال التوترات والنزاعات الداخلية في البيت الشيعي والدعوة الى تشكيل تحالف جديد مع السنة والأكراد والعلمانيين الشيعة. ويقول المحلل السياسي "اغناتيوس" إن معسكر علاوي يرى أنه بمثل هذا التحالف سيحصل على الأصوات التي تجلعه قريباً جداً من القدرة على تشكيل حكومة جديدة.
ولكن يبدو –كما تقول الواشنطن بوست- أن الإدارة الأميركية لديها قليل من الحماس بمسألة استبدال المالكي بأياد علاوي على الرغم من أنها لم تر ما يسرها من حكومة المالكي. وتتركز تخوفات المسؤولين الأميركان، وخاصة الرئيس بوش –بشأن تنصيب علاوي رئيساً للوزراء- على أن تغيير الحكومة يعمق الفوضى السياسية ويشجع نداءات جديدة لانسحاب القوات. إضافة الى أنّ المعارضة الشيعية الدينية لعلاوي واسعة النطاق، كما أن إيران سبقت هذه التوقعات وأعلنت صراحة في ورقة حوارها مع كونداليزا رايس أنها ترفض رئيس وزراء عراقي على نموذج أياد علاوي.
المسألة الأساسية الأخرى في حوارات تشيني هي أنّه يريد ان يوصل رسالة من بوش الى الزعماء العرب في الدول الرئيسة بأن هذا الذي يسمعونه عن وشوك رحيل القوات الأميركية من العراق، أمرٌ لا قيمة له. إنـّه يريد أن يبدّد أية شكوك (خاصة لدى السعوديين) وتأكيد أن أميركا لن تنسحب أثناء رئاسة بوش (ثمة ما يقرب من 18 شهراً) وهذا ما تحدث به مصدر سعودي أيضا معلقاً على زيارة تشيني.
الموضوعة الأكثر سرية في محادثات تشيني مع الملك عبدالله كما يقول المحللون في واشنطن (عملية تنظيم جهد جديد) لمواجهة إيران وإضعافها وتبديد طاقات "وكلائها" في المنطقة. المادة الأساسية لهذه العملية بدأت فعلياً بعد حرب لبنان واسرائيل في الصيف الماضي وهي تتعلق بشكل أساس بالجهد السعودي لمواجهة حزب الله، فالولايات المتحدة بدأت تعمل بشكل مباشر بهذه القضية، والسعوديون بدأوا بضخ المال للأحزاب السياسية الأخرى المناهضة لحزب الله خاصة المجموعات الدرزية والمسيحية والسنية اللبنانية التي يمكن أن تواجه تأثير حزب الله، وتعاون الأميركان والسعوديين في تدعيم سطوة "فؤاد سنيوره" رئيس الوزراء السني. ويرى المحلل السياسي في الواشنطن بوست أن هذا التعاون بين واشنطن والرياض لكبح جماح إيران امتد الى اليمن حيث جرت مساعدة حكومتها على اتخاذ اجراءات صارمة ضد المجاميع الشيعية التي تموّل من الإيرانيين وهي مجاميع تصفها السعودية بانها كانت تابعة لحسين الحوثي الذي قتل سنة 2004.
ومن المتوقع أيضا أن تكون سوريا إحدى ملفات أجندة الحوار السري بين نائب الرئيس الأميركي والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، فالسعودية تدعم التوجهات الأميركية الجديدة التي انطلقت الاسبوع الماضي (حوار رايس المعلم في شرم الشيخ) في تثبيت الحالة العراقية عن طريق الاستعانة بالسوريين.
مصادر عديدة أميركية وسورية وسعودية تؤكد أن الجهد السعودي بدأ فعلاً مع السوريين لتخفيف التوترات مع الولايات المتحدة من جهة ومن جهة أخرى بتشديد الحراسة على الحدود المفتوحة مع العراق. وكان الرئيس السوري بشار الأسد قد اعتذر من الملك عبدالله خلال قمة آذار عن تسميته الزعماء العرب السنة "أنصاف الرجال" لإنهم لم يساعدوا حزب الله في حربه ضد اسرائيل. لكن المحللين الأميركان يعتقدون أن القضية الأهم في حوار تشيني-عبدالله هي قضية المعارضة السورية التي تواصل السعودية اتصالاتها بها. ويبدو أنّ (شتيمة) الرئيس بشار كانت ترتكز الى هذه المسألة، لكن دفاعه عن حزب الله هو القشة التي قصمت ظهر البعير زماناً ومناسبة.
وتقول صحيفة الواشنطن بوست إن السعودية عريقة في تدبير مكائدها السياسية من وراء حجاب الهدوء و"الصدقات" التي تقدمها للأطراف العربية والإسلامية، وهي تمارس مؤامراتها على حد وصف الواشنطن بوست بطريقة تشتري فيها "ذمم ناقديها" لكي تتمتع بالسلام والأمن. وأوضحت أنّ الخطأ الجسيم الذي وقع فيه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أنه أخاف السعوديين، منتقدا سياساتهم. وقالت إن تكتم السعوديين يناسب طريقة تشيني (العنيد مثلهم) ولهذا سيرتاحان لبعضهما في "المجالس الإستراتيجية السرية".
وذكر في تقارير أخرى نشرتها الصحافة الأميركية أن زيارة تشيني "سياحية" تقريباً فهي استكمال لما شرعت به "رايس" من مباحثات مع المسؤولين العرب، وأن مهمة تشيني لن تتعدى تلطيف الأجواء مع الزعماء العرب ولاسميا السعودية من أجل دعم الاستقرار في العراق وإبلاغ وعد من الرئيس الأميركي بمعالجة مشاكل "الأقلية السنية" في العراق.
وتشيني سيبقى أسبوعاً في الشرق الأوسط، فإضافة الى زيارته الإمارات والسعودية والأردن ومصر (وربما العراق) فإنه سيزور حاملة الطائرات "جون سي ستينس" في الخليج العربي. ونقلت الواشنطن بوست عن مسؤول في البيت الأبيض طلب عدم الكشف عن اسمه لإنه لم يخول مناقشة سفرة نائب الرئيس قوله: أن بوش أرسل تشيني الى الزعماء العرب في البلدان الأربعة نتيجة علاقاته القوية بهم (تطورت هذه العلاقات خلال فترة الخصومة مع صدام). وهناك من يزعم أنّ "رايس" أطلقت في الشرق الأوسط رسائل مشوشة، وأنّ تشيني ستنحصر مهمته بتوضحيها.
وعلى حد كلام ادلى به "ديفيد ماك" لصحيفة الواشنطن تايمز (دبلوماسي متقاعد عمل لفترة بمنصب مساعد وزير خارجية) أن كونداليزا راس، ربما تكون في وضع سيء فالرئيس بوش غير راض عن لقائها مع نظيرها السوري وعن محادثاتها مع الإيرانيين. وثمة في الإدارة الأميركية من يقول إنها لم تستشر الرئيس في هذه المحاثات. ويعتقد "ديفيد ماك" ان الرئيس قد يسحب البساط من تحتها لتلحق بالعديدن الذين تخلى عنهم بوش، نتيجة ارتكابهم اخطاء مشابهة، خالفت خطوطه الحمر في طبيعة فهمة لتطورات الشرق الاوسط وتداعياتها، وآليات العمل مع اطرافها النافذة.
وأكد مسؤول في الإدارة الأميركية لصحيفة الواشنطن بوست أن تشيني سيناشد الملك عبدالله بن عبد العزيز، والعاهل الأردني، والرئيس مبارك المساهمة في كبح جماح العنف السني ضد الشيعة في العراق بالإضافة الى تمهيد الطريق لحماية السنة من الميليشيات الشيعية. وكان نائب الرئيس الأميركي قد قام بجولة مماثلة سنة 2000 التي خطط فيها للغزو وزار خلالها اسرائيل وعمان واليمن والكويت وقطر والبحرين وتركيا. ثمة محللون سياسيون يتشاءمون من زيارة تشيني الى المنطقة العربية فهو على حد قولهم ليس "الشخصية الأميركية" المناسبة للاستماع الى شكاوى العرب والمسلمين.
|