|
أحمد موفق زيدان
قدّم السفير الأميركي المنصرف من باكستان " رايان كروكر " أكبر هدية للرئيس برفيز مشرف قبل مغادرته إلى منصبه الجديد في العراق ، حين شهد لباكستان بأنها دولة ديمقراطية ، ومن سيشهد للقرعة إلا الأم وخالتها؟!!
فصكوك الديمقراطية التي تتحكم بها واشنطن ونواب مملكتها تُمنح لمن تريد، وفي الساعة التي تشاء ، وبالتالي ذهبت كل آمال وطموحات المعارضة الليبرالية العلمانية أدراج الرياح في أن واشنطن بدأت تغير مواقفها إزاء الرئيس مشرف بعد المواجهة مع القضاء ، متناسية هذه الدوائر العلمانية أن مصلحة واشنطن تكمن فيما تراه عند أرنبة أنفها هي وليس حتى أرنبة أنوف الآخرين.
ووفقا لوكالة التنمية الدولية الأميركية ؛ فإن باكستان تلقت ما بين العام : 1954 والعام : 2002 ، 12,6 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية ، منها 9,9 مليار دولار خلال فترة الحكومات العسكرية ، والتي تغطي حوالي 24 سنة من تاريخ باكستان ، بينما لم تتلق الحكومات الديمقراطية سوى 3,4 مليار دولار ، وهي التي تغطي 19 سنة من تاريخ البلاد ، بمعنى أن الحكم العسكري كان يتلقى بمعدل 382.9 مليون دولار سنوياً ، بينما الحكم المدني لم يكن يتلقى سوى 178,9 مليون دولار في السنة
السفير الأميركي الذي لم يفته وسيلة إعلام باكستانية ليدلي لها بتصريحات ، وهو المعروف بإقلاله للحديث مع الصحافة طوال فترة منصبه ، كل مقابلاته تحدثت عن الديمقراطية ، وخصوصيات الدول والمجتمعات التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار قبل فرض الديمقراطية ، وكأنه يذكّرنا بأفلاطون وأرسطو ، وليس كسياسي ودبلوماسي يتوجه إلى العراق الذي احتلته بلاده ، وقتلت فيه أكثر من مليون شخص ، ساعية إلى فرض ديمقراطية غوانتانامو وأبو غريب عليه.
إن تعهد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية " ريتشارد باوتشر " ساعة المواجهة بين القضاء ومشرف بمنحه مبلغاً يقدر بـ 750 مليون دولار ، دليل واضح على سياستهم في مواصلة دعم مشرف ، وصفعة قوية في وجه هذه القوى الليبرالية العلمانية ، التي لا تزال تعوّل على واشنطن في أن مساعدتها في عملية التخلص من مشرف ، وهي التي لا تزال بحاجة إليه في حربها على ما يوصف بالإرهاب.
تصريحات السفير الأميركي المنصرف بنظر الكثير من المحللين ، وبالطبع المقربين والمؤيدين لواشنطن ، أنها جاءت مخيبة لآمالهم ؛ فهي تأتي في وقت يسعى البلد إلى تحديد بوصلته ووجهته وقبلته فيما إذا كان سيعود إلى جذوره الديمقراطية ، أم أنه سيواصل حكم نفسه من خلال فرد واحد ، وهو ما يروق لواشنطن بكل تأكيد بعيداً عن التنظير البيزنطي الأميركي ؛ فواشنطن لا يؤرّقها في ظل حكم الفرد الواحد الحصول على موافقة برلمان ومجلس شورى على قائمة المطالب التي تطلبها من هذا الزعيم أو ذاك ، بينما الحالة الراهنة في باكستان ومعظم بلاد العالم الإسلامي تستطيع باتصال هاتفي أن تحصل على ما تريد من الزعيم المنبتّ عن الشعب والجماهير ، والذي لا تحكمه دساتير أو مؤسسات.
هنا ينبغي التذكير أن جُل المساعدات الأميركية لباكستان كانت من نصيب الحكومات العسكرية وليس المدنية ، ولم تسع واشنطن تاريخياً إلى تعزيز المؤسسات الديمقراطية في باكستان ، فبعد سقوط بنغلاديش في عام 1971 التقى قائد سلاح الجو الباكستاني آنذاك نور خان بدبلوماسي أميركي وقال له: " إن باكستان عانت الكثير لأن نخبتها الحاكمة أدمنت على المساعدات الأميركية " ، وطوال الحكومات العسكرية الباكستانية منذ يحي خان ومروراً بأيوب وضياء الحق ومشرف ، كان الدعم الأميركي يعني تعزيز وتقوية الجيش الباكستاني وماكينته العسكرية ، وإضعاف المؤسسات الديمقراطية ، بل وشخصنة الدعم الأميركي بحيث تُربط بشخصية ضياء الحق أو مشرف أو غيرهما ، وليس بأداء الدولة وأداء الحكومة تفاديا لتعزيز المؤسساتية في البلد.
|