|
سرقة الجهود ... بين الإفراط والتفريط |
|
|
|
01/03/2007 |
|
أحمد موفق زيدان
قلما يخلو مجلس لإسلاميين إلا ويتم التطرق فيه إلى قضية سرقة الجهود التي بذلت في الثورات الخوالي ، ويضربون على ذلك أمثلة كثيرة وعدة ، وكل ذلك في مجمله صحيح ، فمعظم الثورات ـ إنلم أقل كلها ـ في العالم العربي والإسلامي أبطالها إسلاميون ، ومضحوها كذلك ، لكن قاطفيها لم يكونوا هم أنفسهم من قادها وضحى في سبيلها ، ولعل سرقة الجهود التي شهدناها في العقود الماضية كانت بسبب إفراط أصحابها في عدم المحافظة على مكتسباتها ونتائجها ، وقد بسط ذلك بتفصيل واسع الأستاذ محمد العبدة في كتاب سيصدر قريباً ، ونشر بعضه على مواقع إنترنتية ..
ما يعنيني هنا في مقالي بصريح العبارة هو التفريط ، والحساسية المفرطة من قبل بعض الجماعات الإسلامية في الحفاظ على جهودها ، وهو أيضاً سيؤدي بنظري إلى سرقة الجهود من حيث لا يدرون ، لكن سرقة من نوع جديد ربما لم نعهدها من قبل ، أولاً لن يكون لهم الشوكة ولا السلطان في تطبيق منهجهم ، وثانياً لن يذكروا على أنهم هم الذين قادوا هذه الثورات والنجاحات كما فُعل بأسلافهم ، وإنما سيُنظر إليهم على أنهم رمز الشر والخطأ والغلط والمصائب وما إلى ذلك من أوصاف هم بعيدون عنها ، ولكن كما قال الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ : " كم من مريد للخير لا يدركه .
"أعود إلى التفريط في ذلك ؛ فأول ما على هذه الحركات أن تدركه ، هو أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ اختصر لنا المسألة بقوله : سيروا على سير أضعفكم " ، وبالتالي فإن الشباب الذين أخذوا بعزائم الأمور عليهم ألا يطالبوا الكل أن يأخذوا بما أخذوه على أنفسهم ، فليس الكل قادراً على المقاومة ، كما أن الكل ليس قادراً على الأخذ بعزائم الأمور ، ولذلك كان من بين الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ خالد بن الوليد سيف الله المسلول ، وأبي هريرة من أصحاب الصفة ، والشاعر حسان بن ثابت ، الذي دافعت صحابية عن حصن المسلمين في حضوره ، بعد أن تهيب أن يفعل ما فعلته ، هذه التوليفة في الصحبة هي التي سمحت للإسلام أن يكون إسلاماً مقاوماً وإسلاماً فقيها ، وإسلام دعوة ، وإسلام فكر ، وإسلام ثقافة ، لا يعيب أحد على أحد .
لنتذكر أن عهد عمر بن عبد العزيز في بدايته كان امتداداً لعهد الأمويين ، واستطاع هذا الخليفة الراشد الخامس أن يعدل ويحسن من الأمور بشكل تدريجي في غضون سنتين وستة أشهر لتعود الخلافة إلى تألقها وسابق عهدها ، فما بالكم بعصرنا الذي هو بعيد ـ أقل شيء ـ حوالي قرن عن تطبيق الشريعة الإسلامية !! أليس التدرج وأخذ الناس بالرخص ، أولى وأجدى ؟ وإنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ؛ وإنما تسعونهم بأخلاقكم كما قال سيد الخلق .
إن ظروف حكم وقيادة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ اختلفت عمن جاء بعده ، وحل تلك الإشكالية علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ حين سأل أحدهم : لماذا اختلفت ظروف حكم أبي بكر وعمر وعثمان عن ظروف حكمك ؟ فرد عليه : حين حكم أولئك كنت أنا الرعية ، أما الآن فأنت وأمثالك الرعية ؛ فالظروف تتباين وتختلف ، وعلى الحصيف أن يتأقلم مع الظروف دون النيل من المبادئ الكبرى ، ولكن ليتذكر أن الوحدة واتحاد المسلمين وتكثير سوادهم أحد مكملات النصر ، وحين سأل النجاشي أبا سفيان عن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ هل أصحابه يزيدون أم ينقصون ؟ فقال : يزيدون . قال النجاشي وتلك سنة الأنبياء ، فهذا ميزان مهم على نجاح الثورة ونجاح المقاومة ، ولا يضحك علينا البعض بالقول : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ، نعم بعقيدته ومبادئه ، وما المانع أن يكون إبراهيم إماماً لملايين وعشرات الملايين وبلايين ؟!!
إن هذا الدين متين ؛ فأوغلوا فيه برفق ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه.....
|