|
حرب إرهاب أم حرب على الإرهاب ؟ !!! |
|
|
|
23/02/2007 |
|
تصريحات وزير الصحة الباكستاني نصير أحمد خان التي جاءت خلال كلمة له أمام مؤتمر لمكافحة مرض الإيدز في العاصمة الباكستانية إسلام آباد ، لم تنل حظها من التغطية الإعلامية والاهتمام الباكستاني فضلاً عن الدولي ، الوزير الباكستاني ربما كان يغرد خارج سرب حكومته وسياستها حين قال : إن الحرب على الإرهاب غدت حرباً إرهابية ، مفسراً ذلك بالقول : إن الحرب عادة ما تقع بين جيشين ، أما هنا فلا نرى إلا جيشاً واحداً يقّتل عناصر الجيش الآخر الممثلين بالأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء ، وبالتالي فإن قتلاه وضحاياه هم هؤلاء الأبرياء ، طبعاً ما كان يقصده الوزير الباكستاني هو مئات القتلى والجرحى الذين يقعون في كل من العراق وأفغانستان وفلسطين وكشمير والشيشان ، حتى غدت هذه الحرب المشؤومة ماركة مسجلة مقتصرة على دول العالم الإسلامي .
الوزير كان يتحدث عن دور الدول الإسلامية في حماية نفسها وشعوبها ومكانتها وسمعتها ، متناسياً الوزير ما تفعله حكومته بشعبها التي فتحت عليه أبواب الجحيم ، حين وقفت داعمة للولايات المتحدة الأميركية في الحرب على ما يوصف بالإرهاب ، دعماً بلا قيد أو شرط ، وهو ربما لم يحصل في تاريخ الديبلوماسية العالمية فيما أعلم ذلك ، بأن تقدم دولة دعماً لدولة أخرى دون أي قيد أو شرط ، تمنحها بذلك شيكاً مفتوحاً على بياض غير محدد الزمان أو المكان .
يتحدث الوزير عن سمعة البلاد الإسلامية ومكانتها ، وكأنه قادم من المريخ ، لا يعرف أن مئات الباكستانيين خطفتهم قوات أمنه بحجة الحرب على ما يوصف بالإرهاب ، لتشحنهم إلى غوانتانامو دون أن تتحقق أو تتثبّت فيما إذا كان لهم علاقة بتنظيمات محظورة أميركيا أم لا ، ليتبين لاحقا أنهم كانوا أبرياء ، ويُفرج عنهم أميركياً ، فقد كانت الأخيرة أرحم بهم وأعدل بهم من دولتهم ، في حين لا يزال يقبع المئات منهم في سجون مجهولة الهوية والمكان ، أو إن شئت فقل في غوانتاناموات صغيرة هي أخطر من غوانتانامو الكبير المعروف المكان والظروف ، والأنكى من ذلك أن عمليات الخطف والاعتقال لا تزال متواصلة تحت نفس الذرائع الواهية
...ذكرتني تصريحات الوزير الباكستاني هذه بحالة تمر بها الدول العربية والإسلامية ، وهي حالة أشبه ما تكون بحالة الانفصام السياسي أو حالة انعدام الوزن ،أو إن شئت فسمّها كما عبّر عنها عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حين سُئل عنموقف أهل العراق من الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ فقال : "قلوبهم معك وسيوفهم عليك "
وهو ما يحصل الآن في سياسات الدول الإسلامية تجاه الغطرسة والغرورالأميركيين ، ترجمته عملياً تصريحات سابقة لقائد الجيش الباكستاني الأسبق الجنرال أسلم بيغ عشية الحرب الأولى على العراق عام 1991 ، حين ندد ورفض إرسال قوات باكستانية للمشاركة في الحرب ؛ لكن القائد العسكري الباكستاني نسي أن حسابات الحقل الباكستاني لم ولن تتفق مع حسابات بيدره ، فهو الذي وقّع قرار الإرسال .
وتلك من المفارقات العجيبة الغريبة في عالم سياستنا .عودة إلى الوضع الراهن ، أدركت باكستان الآن أنها لم ولن تُرضي أميركا بجديتها وعزمها في مكافحة ما يُوصف بالإرهاب، وأميركا والنيتو في أفغانستان الذين يواجهون مشكلة حقيقية تتقازم أمامها مشكلتهم في العراق ، تنظر هذه القوى إلى باكستان كمشجب لتعلّق عليه فشلها وإخفاقها الأفغاني هذاالأمر تحدث عنه ـ ربما ـ بجرأة لافتة حاكم الإقليم الشمالي الغربي الباكستاني علي جان أوركزي ، بلهجة ونبرة لا تروق للأميركيين والغربيين ، الذين أصمّوا آذانهم عن النقد ، وحتى النصيحة من أقرب مقربيهم ، لقد قال أوركزي : إن حرب طالبان تتلقى دعماً شعبياً متنامياً ، وهذا حوّلها إلى حرب تحرير شعبية ، مقاومة شعبية ضد قوات التحالف الدولي
ففي الوقت الذي ينبغي على قوات التحالف الدولي أن تلجأ إلى السيد أوركزي المسؤول المباشر عن هذا الملف في هرم السلطة الباكستانية ، طلبت الأمم المتحدة توضيحات من الحكومة الباكستانية عن موقفها إزاء طالبان !!!مشكلة المشاكل في العالم هي الافتقار إلى توصيف الحالة لإيجاد العلاج والدواء الدقيق لها ، إن غطرسة القوة ، وغرور الإنسان الأبيض الغربي ـ للأسف ـ في أحايين كثيرة ، تدفعه إلى عسكرة السياسة ، و الدبلوماسية ، وبالتالي فإنهم لا يودون أن يسمعوا من أحد ، كنّا في ظل الاحتلالات السابقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، حين كانت تحتل بعض الدول الأوربية العالم العربي والإسلامي ، كان لدى الاحتلال جيش من المستشرقين ، الذين كان بالإمكان محاورتهم في الجوانب الثقافية و التاريخية والنفسية للعالم الإسلامي ، كانوا طلائع الاستعمار حينها ، كان بينهم وبين مثقفينا قاسماً مشتركاً يمكن أن تجده في حالة الحوار ، أمّا الآن فمع من تتفاوض ؟!!
تتفاوض مع عسكريين واستبداديين لا يفهمون تاريخاً ولا حاضراً ، فضلاً أن يفهموا ثقافة وعلم نفس واجتماع ؟!
|