|
عمرو مجدي - الجزيرة توك – القاهرة
جئتكم من جامعة القاهرة بنبأ عظيم! إني وجدت عميدا يملكهم وأوتي من كل شيءٍ وله عرشٌ عظيم! وجدته وأمثاله أعضاء في لجنة السياسات، وزين لهم جمال مبارك أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون!
ما الحكاية؟! طُلب مني أن أدير ندوة يحاضر فيها الدكتور عبد الوهاب المسيري – الفيلسوف الإسلامي ومنسق حركة كفاية – وذلك في إطار مهرجان ثقافي تقيمه إحدى الجمعيات العملية في كلية الطب بجامعة القاهرة.
ولِما هو معروف من التضييق على الأنشطة الطلابية والحريات الأكاديمية بشكل عام في جامعات – بل وحتى في مدارس - مصر المحروسة..
فقد دهشت للغاية من سماح إدارة الكلية بندوة لشخص مُعارض مثل المسيري،
لذلك كررت السؤال على زميلي الذي طلب مني أن أدير الندوة، هل أنت متأكد؟ نعم متأكد، لكن نفسي حدثتني أن شيئا ما سيحدث ولم يخب ظني.
في صباح يوم الاثنين الموافق 19/2/2006 توجهت للكلية مبكرا منتظرا الندوة التي سأديرها في شغف، وبدا أن حالة من الرعب العام تسيطر على حرس الكلية، وكانت المفاجأة الأولى أن وجدت العمال يزيحون اللوحات الداعية للمؤتمر من كل أرجاء الكلية، وإذ تحدث منظمو المهرجان معهم قالوا: هذه تعليمات من عميد الكلية!
لم تنتهِ الحكاية، حيث وجدت ضابط حرس بالكلية أ.س (معروف بتعاونه مع مباحث أمن الدولة)، يستوقف زميلي، وعرفت أن نقاشا دار بينهما تم فيه تهديد زميلي بلكنة أمنية مستخدمين فزاعة الإخوان، وقيل له "نراك واقفا مع عمرو مجدي صاحب النشاط الإخواني، ما علاقة الإخوان بالمؤتمر؟!"
ولأن عقلية الأمن المتآكلة لا تفرق بين الإخوان وبين الإسلاميين الوسطيين عامة، فهي تعتبر أي من يتعامل أو يتعاون مع الإخوان إخوانياً!
وبالتالي ارتئيت أنا وزميلي أن نجنب الجميع المشاكل، وأتخلى عن إدارة الندوة، ونكتفي بأن نتحدث مع د. المسيري قبل المؤتمر بحيث نوضح له محاور النقاش التي نحب أن نسمعها منه.
وكان أن جلست مع د. المسيري وطلبت منه أن يتضمن حديثه نصائحه للشباب من خلال سيرته الذاتية، ثم ملامح الخطاب الإسلامي الجديد الذي كتب عنه، وهنا، وقبل أن أكمل حديثي، وجدت زميلا آخر – غير الأول - "يزغدني" ويأخذني على جنب وينهرني قائلا: من أذِن لك بهذا الكلام؟! نحن اتفقنا معه على كل شيء، وأي تغيير يستلزم استئذان الدكتور رئيس الجمعية!
قلت له: لا تأنبني، وإنما عاتب زميلك الذي طلب مني ذلك، أنا لا أفعل شيئا من رأسي!
بعد ذلك، عرفت من الجهة المنظمة للمهرجان أن ثمة تضييقا على الجمهور، حيث لن يتم السماح لهم بطرح الأسئلة والمداخلات مباشرة عبر الميكرفون وإنما كتابتها في ورق يمر على (فلتر) يمنع مرور الأسئلة (الضخمة والضارة بالصحة)!!
وهو ما أثار عدد من الطلاب الاشتراكيين الحاضرين في الندوة وجعلهم يقاطعون الدكتور ويقولون له أن ثلاثة أرباع الأسئلة لم يتم طرحها للمسيري لإجابتها.
عرفت أيضا من شاهد عيان أن حرس بوابة الكلية كان يصرف الطلبة الحاضرين من الكليات الأخرى، ويمنعهم من الدخول، بحجة أن الدخول يجب أن يكون ببطاقات الدعوة.
لن أقارن ذلك بما لازلت أتذكره جيدا ما حدث وأنا طالب في السنة الأولى، حيث كانت هناك ندوة لمصطفى الفقي – رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب – وجاء عامل للمدرج الذي كنا نحضر فيه، وطلب من دكتورة الفسيولوجيا إلغاء المحاضرة ليسمح للطلبة بحضور ندوة الفقي، وغضبت الدكتورة لكن العامل (وشوشها) في أذنها ببعض كلمات فتركت المحاضرة ساخطة وتم (شحننا) إلى قاعة المؤتمرات مع طلبة آخرين من مدرجات أخرى، لملأ القاعة أمام عضو الحزب الوطني.. وتم السماح لنا بتقديم المداخلات في الميكروفون لأن الفقي "يحب الحديث من القلب" كما ذكر هو.
المهم أنني التقطت عدة صور بالكاميرا الخاصة بي، صور للمسيري على سبيل الذكرى الشخصية، لكني وجدت زميلي يأخذ الكاميرا واعتقدت أنه يريدها للتصوير، لكني وجدته يذهب بها بسرعة بعيدا، وعندما عاد قال لي: الضابط هددني إنك لو كتبت أي شيء عما حدث سيحولني للتحقيق!!
معذرة يا صديقي لا أستطيع منع أصابعي من تقديم هذه الشهادة لتجربة عشتها، لم تفاجئني ولكن أدهشني مدى رعب الأمن من مجرد محاضرة يلقيها المسيري في قاعة لا تتسع لأكثر من ألفي طالب.. وهي عقلية توضح مدى ارتجاف النظام وقزامته وسيطرة الأمن على مقاليد كل شيء.. ولا عزاء للعقل!
وبالمناسبة، لم يكن الدكتور المسيري بالسذاجة التي تصوروها، فبرغم أنهم حاولوا تأطير المحاضرة في مسار (لماذا الشباب لا يقرأ) وما شاكلَ ذلك من الأسئلة الطفولية، إلا أن المسيري بدا (مرعباً ومفزعاً) لهم للغاية حينما تطرق للحديث عن الأوضاع السياسية داعيا الشباب للانضمام لحركات التغيير والمعارضة.
واتصلت بالدكتور بعد الندوة بعد أيام، فقاطعني قائلا: أنه لاحظ ما حدث.
لن أنسى أن أقول أنني بعد انتهاء المحاضرة، كنت واقفا بالصدفة خلف الضابط أ.س الذي رأيته يرفع هاتفه ويقول: تمام يا أفندم! الدكتور خرج خلاص الحمد لله.. أي أوامر؟!
انتهى.. ولا تعليق!
|
تحياتي