|
أراكة عبد العزيز - الجزيرة توك ـ مكة المكرمة
الأمةُ العربية .. أمةٌ اعتاد الحزن .. أن يَقُضَّ مضاجعها .. ويسهر معها الليالي .. ويصاحبها حتى في أفراحها المزعومة .. وهكذا .. حتى وصل الحزن المستقر أصلاً في القلوب .. والمتمثل في العيون .. إلى الحناجر .. إلى الأصوات .. إلى الأنغام .. فكانت (( العتابة العراقية )) ..
فقد ارتبطت العتابة ارتباطاً وثيقاً بالشخصية العراقية .. فكانت هي المنفذ الوحيد لأن يعبر العراقي .. عن حزنه الذي تفيض به نفسه .. وآلامه التي يصرخ بها قلبه .. فيترجمها نغمه ..
ذلك النغم الذي ينتفض من كومة الأوجاع .. أوجاع العراق والعراقيين .. أوجاع الماضي .. والحاضر ..
وللعتابة .. تاريخٌ قديـم ..
الـعتـابـة:: لون من الشعر الشعبي يتكون من أربعة أقفال ثلاثة منها على نفس الجناس والرباط الأخير ينتهي بألف وياء أو ألف وباء ونظمه يشابه الابوذية واشتهر في العراق في المناطق الغربية وتناقله البدو الرحل ومن هنا نجد قدم الموروث الشعبي وأصالته وتجذره ولكنه مع كل الأسف نجد الآن من يشير الى هذا الفن الشعبي على انه جهل ومن يتعامل به هو إنسان أمي غير متطور وغير قادر فكريا وهذا ما أردنا إيضاحه لمن يسعون الى الإساءة الى المفردة الشعبية والشعر في العراق.
امتلأت بالحزن .. ففاضت بالعتابة ..
السؤال الذي يلح على عقول الجميع .. لماذا هذا الارتباط الغريب .. بين النغم العراقي .. والشخصية العراقية .. ؟!!
(( نازك الملائكة )) الشاعرة العراقية المعروفة .. تحدثت عن أن العراقي .. بطبيعته شخصية عاطفية .. ذات مشاعر جياشة ومرهفة .. فإنه عندما يغني .. لا يغني بدافع اللهو والطرب .. وإنما بدافعِ إنسانِ الطبيعة القديم ..الذي تتملكه حاجة ملحة للغناء تجعل من الغناء ضرورة حياة.. يعبر بها الإنسان عن عواطفه الدافقة .. ويتخلص بها من طاقة جائشة لا بد أن تنفق ..
كما فسرت سبب هذا الارتباط بأنه عطش روحي يسكن نفس العراقي وإحساس العراقي بما لا يتحقق .. واستحالة الوصول إلى الغاية .. وعدم القدرة على تحقيق ما يبدو قريب المنال .. وأبسط بيتٌ يجسدُ هذا الإحساس ::
نِمناَ وشبعنا نُوم *** بفيَّك يا نعناع
هذا المحب يتحدث عن أنه التمس ظلاً في حر الظهيرة اللافح فلم يجد إلا عشبةَ النعناع الخضراء ثم يقول إنه نام وشبع نوماً .. أيُّ سخريةٍ أشدُ مرارة من هذه ؟!!
إن هذا المحب لا يعبر عن حسرته .. بالتأوه والشكوى .. وإنما بالسخرية الموجعةِ والاستهزاء ..
إن هذه السخرية الموجعة تتكرر كثيراً في الأغاني العراقية .. وكأن المحب وهو يجد نفسه محروماً يُسلِّي نفسه بالصور والتشبيهات وألوان الاستهزاء .. إنه يسخرُ من الواقع المرير .. الذي لا يستطيع تغييره وإن حاول .. ولعلَّ السخرية .. تكون وجهاً من وجوه التنفيس العاطفي للشخصية العراقية ... وتفريجٌ عن المكبوت من حزنٍ داخل النفس ..
حب و حرب و غـربة
تختلف العتابة من آن لآخر .. تبعاً لطبيعة الأوضاع ..وكانت العتابة في الغالب .. تتحدث عن الحبيب .. والشوق إليه .. فحينما يعصف الشوق بقلب العراقي .. وحينما يحس بالحرمان ..
يفيض بالعتابة ::
ويختار هذه المرة أبيات أبو فراس الحمداني .. لتعبر عن حاله::
أقولُ وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتا هل تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقتِ طارقةَ النوى ... ولا خطرت منكِ الهمومُ ببالِ
أيا جارتا ما أنصفَ الدهرُ بيننا .. تعالي أقاسمكِ الهمومَ تعالي
أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةُ ... ويسكت محزونٌ ويندب سال !!
لقد كنتُ أولى منكِ بالدمع مقلةً .. ولكن َّدمعي في الحوادث غالِ
كما كانت المتنفس الذي يتنفس منه العراقيون .. حين تخنقهم الغربة ..
فيجيش صوت العراقي الحزين بالعتابة ::
ساعة وتغيب الشمس *** ساعة ويجيني الليل
وينراد حيل ودمع *** ومنين أجيب الحيل
روحي حمامة صفت *** وببيت أهلي تدور
هنا يصف هذا العراقي المغترب .. الشوق الذي يحرقه لأهله .. وكيف أن الشمس شارفت على المغيب .. وسيأتي الليل الذي سيهيج له أحزانه وشوقه ودموعه .. وكيف أنه بحاجة إلى هِمِّة لِتحملَ هذه الدموع والأحزان .. لكن من أين يأتي بها ؟!!
ويصل به الشوق إلى وصف روحه بالحمامة التي تدور في بيت أهله .. وشوقه إلى أمه .. وخبز التنور الذي تصنعه ..
اشتاقيت لأمي أنا … و الخبزة التنور
بديرة هلي … بالطعم يختلف حتى الماي
ولم يكن الخبز الذي تصنعه أمه .. أو الماء الذي يشربه .. مختلفاً في نظره .. بل حتى الهواء الذي يمر بتلك الديار .. ديار أهله ..
وحتى الهوى .. يم هلي يختلف والله هواي
كل ليلة تسوى العمر .. لو كعدو اهلي وياي
ومن إيد أمي الصبح .. محلى استكانِ الجاي
وبعد احتلال العراق .. فقد العراقي روحه .. بيته .. بستانه .. دجلة والفرات .. بل أرضه ووطنه .. فاتجهت العتابة .. في هذا الوقت .. لترثي العراق .. وتبكي دجلة والفرات ..
فأصبح العراقي بـ ((عتابته )) يفرج بعضاً من الألم المكبوت .. حزناً على حال العراق..
ويبكي على ما آل إليه وطنه ::
يسألوني شجاك شبيك حيران
حتى بضحكتك مرسومه الأحزان
سبب كل حزني هذا عندي بستان
جنة ع الأرض فاكهة وأغصان
ونخيل الدنيا عندي وأحلى نَهران ..
وأغنى أرض عندي بالبطولات ..
شعب علم وفكر فن وحضارات ..
ومقامَ الأنبياء وأضرحة أهل البيت ..
وبطيبة هلي اتفاخرت واتباهيت ..
لكن للأسف ما من سنة ارتاحيت..
من حرب لحرب كل يوم طوفان..
صار النفط دم والنهر عطشان ..
ويبقى ( العراقي ) .. يطلق صيحاتِ الألم .. جَرَّاء خنجر .. عفواً .. خناجر الغربة و الاحتلال .. و ظلم ذوي القربى .. و .. و ..
في الوقت الذي تطلق فيه ( هيفاء ) .. آهات الواوا .. فـهل يستويــان ؟!!
|
وفقك الله معنا فيي الجزيرة توك وانشاء الله نلتقي يومالأتعرف عليك عن قرب ونقول شعراو نثرا ولما لا.
ولا تنسي ان تبقي متالمة مدى الحياة لان الالم هو الذي يصنعنا وليست السعادة...تذكري هذا الكلام دائما.......ليلى