|
بقلم : أحمد زيدان
على الرغم من دخول شبكة الجزيرة عالمها الحادي عشر المهني، إلا أنه ما يزال الكثير ومنهم العاملون في هذه الشبكة يتساءلون ويستفسرون وسيظلون ومعهم عشرات الملايين وربما أكثر، يتساءلون وبحيرة عن لغز وسر وروح عظمة الجزيرة وعبقريتها، وبحكم كوني أحد الذين واكبوا هذه المسيرة الإعلامية المباركة، ورعوا هذه الشجرة الإعلامية الباسقة الوارفة الظلال، التي أصلها ثابت راسخ يضرب بالجذور مثل أشجار السنديان رغم قصر عمرها، وفرعها في سماء الإعلام العربي، يؤتي أكله بين الفينة والأخرى لها ولغيرها من وسائل الإعلام العربية وغير العربية، جرأة في الحق، وشفافية في الطرح، وعربية في اللسان، وعالمية في التناول والتحليل.
دعوني أشاطركم، رأيي وقناعتي وراء سر هذه العظمة والعبقرية، وذلك بحكم الخبرة والتجربة لهذه المسيرة الإعلامية المفصلية من تاريخ الإعلام العربي، الذي صبغ مشهدنا الإعلامي وغير الإعلامي الراهن وحتى الآتي منه، فإني أعتقد راسخاً أن سر ذلك كله هو عزم القيادة القطرية وصناع القرار السياسي والإعلامي في العاصمة الإعلامية العربية «الدوحة» على تجاوز ما كان سائداً في ساحة الإعلام العربي من إسناد كل إعلام قطري إلى أهل البلد الأصليين، الأمر الذي غيّب عنه الكوادر العربية الأخرى، فأفقده الثقة في أن يكون إعلاماً لكل العرب كفاءة، وأهدافاً، وتحقيقاً لمصالح عربية عليا، إعلام قطري رسخ الصورة النمطية عن التحركات العربية الإعلامية وغير الإعلامية، في أن الأمر حين يُوسد لأهل البلد الأصليين؛ إنما يهدف إلى نيل مصلحة قطرية غالباً، لا علاقة لها بالمصالح القومية العليا.
هذا الأمر ألقى وسيلقي بتداعياته السلبية على أمر يمس سويداء الإعلام وهي المصداقية، وحين نتحدث عن المصداقية، يأتي الحديث عن الكوادر فلعل عزم القيادة القطرية على جعل الجزيرة لكل العرب بغض النظر عن ألوانهم وجنسياتهم ، هو الذي دفع الكفاءات الإعلامية العربية إلى التدفق على الجزيرة والعمل فيها، إذ أنه لا شك أن هيمنة أصحاب البلاد الأصليين على هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، أمر ربما قد يُحرج الوسيلة الإعلامية، من حيث الهامش في التحرك، فضلاً عن القدرة في الدفاع عن مواقفها، وعلاوة على ذلك الحرج الذي قد يصيب أبناء البلد الأصليين للوسيلة الإعلامية تجاه الموظفين فيها أو بالعكس، بمعنى الحرج الذي قد يصيب الموظفين تجاه الإدارة ، وهو كله يأكل من أرضية المصداقية والمهنية بسبب مجاملات عربية معروفة ومعهودة.
لا شك أن تولي إدارة الجزيرة من قبل شخصيات إعلامية من خارج دولة قطر، كان له أبلغ الأثر في إعادة الكفاءات والأدمغة الإعلامية العربية من عواصم الضباب والنور وغيرها إلى عاصمة الإعلام العربي الدوحة.
ستظل كلمة سر الجزيرة ومفتاحها هو ترفعها عن القطرية، وبقاؤها على العهد لكل العرب ، ولكل الكفاءات العربية، فالكفاءات الإعلامية كغيرها من الكفاءات النووية والذرية والسياسية، لا يمكن أن تُبنى بالأموال، وإلا لكان الأثرياء وأصحاب الأموال على رأس الكفاءات العلمية في العالم، فصناعة الفكر ليست مهنة يمكن كسبها بسهولة ويسر.. ليست من قبيل المهن التي يورثها الآباء للأبناء، فهي صناعة تميز ودربة، وقبل ذلك موهبة تُكتسب في عقود وربما أكثر، وليست عبارة عن عقاقير تُشترى من هذه الصيدلية أو تلك..
نعم هذا هو سر الجزيرة، فصحفيوها لم يعيشوا في دول قُطرية، وإنما اكتسبوا خبراتهم من رحيق أزهار الإعلام العالمي، ونهلوا من معين خبرات دولية متعددة ومتشعبة، فصهروا كل هذه الخبرات في أتون الجزيرة، التي أخرجت خبزاً ساخناً طازجاً يشتهيه كل من ينظر إليه.
إن مقارنة الجزيرة وغيرها من الوسائل الإعلامية يكون بنظرائها وبأقرانها.
|