|
حسين دلي - الجزيرة توك - خاص
كما ذكرنا سابقاً فإن المتابع لأحداث الفلوجة في الفترة التي سبقت أحداث معركة الفلوجة الأُولى كان يعلم إن تصاعد عمليات المقاومة أصاب القوات الأمريكية بصداع رهيب لم تستطع معه من حل سوى أن تحاول الانتقام من أهالي المدينة وكانت العملية التي قتلت فيها القوات الأمريكية أربعة من الأهالي أمام بيوتهم في الحي العسكري شرارة لما حدث بعدها خاصة عندما قتلت أحد الشباب وهو يحاول إنقاذ صديقه الذي أصيب بطلقة في رجله ،هذه العملية ألهبت في صدور أهل الفلوجة الحماسة للانتقام من الأمريكيين وهم الذين مازالت دماؤهم لم تجف من السبعة عشر قتيلاً الذين سقطوا في مجزرة حي نزال قرب مدرسة الشهداء في بداية عام 2003 .
كنت في تلك الحادثة قريباً جداً من المنطقة التي حدثت فيها عملية القتل وسارعت الجزيرة حينها فأرسلت فريقاً ضم حامد حديد وعدي الكاتب ومجموعة معه فعملوا تقريراً بشان تلك القصة والتقوا بوالدي الشباب الذين قتلوا وما زلت أذكر كلام أحد الآباء في مجلس العزاء وهو يقول (هاي بيناتنا للموت وما نعوفهم) بلهجة العراقيين وتعني أننا لن نترك الأمريكيين إلا بخروجهم أو الموت ولذا زادت وتيرة العمليات ضد الأمريكيين حتى آن أوان عملية الهجوم على أعضاء الاستخبارات الأمريكية الأربعة الذين قتلوا في تقاطع المنجزات وسط الفلوجة وهم في طريقهم الى مدينة الرمادي -على ما يبدو- ويظهر أن عمليات إحراق الجثث في السيارات الرباعية الدفع التي كانت تقلهم وسحل الجثث في طرق الفلوجة وتعليق إحدى الجثث على جسر الفلوجة( الذي بناه البريطانيون في بداية القرن الماضي) قد أفزعت الأمريكيين, وكنت من الذين صوروا الحادثة بتفاصيلها ومع ما ترافق من انتشارالحدث إعلامياً وظهوره في أغلب القنوات العالمية ،كل هذا دفع الأمريكيين الى توظيف الصورة لشن عمليات واسعة النطاق على المدينة وكأن الأمريكيين كانوا ينتظرون الفرصة التي تعطيهم الدافع لذلك الانتقام وبدأنا نترقب التصعيد الأمريكي في أي لحظة وبعد عدة أيام من الهدوء إذا بالقوات الأمريكية تنادي بالأبواق وتوزع أوراقاً لبعض الأشخاص ادعت إنهم المسؤولون عن الهجوم على تلك السيارتين وقتلاها الأربعة من الاستخبارات وأن على أهل الفلوجة أن يسلموهم للأمريكان.
والحقيقة أني رأيت تلك الصور ولكني تفاجأت منها لأنها كانت لأشخاص من ضمن المئات اللذين تجمهرون كالمعتاد في مثل هذه الحوادث أما الناس فقد فهموا مغزى هذه الصور وأنها مجرد ذريعة أراد منها الأمريكان وسيلة للانتقام.
لكن أهل الفلوجة وبالرغم من أنهم كانوا يتوقعون أن تبادر القوات الأمريكية بمداهمات واعتقالات
على المزاج أو الوشاية كالعادة إلا إن أحداً لم يكن يتوقع أن تلجأ القوات الأمريكية الى هذا الأسلوب
وهذه الغطرسة والاستخفاف بالناس و اجتمع وجهاء المدينة لينظروا أمراً أو تدبيراً ولكن الجميع كانوا يعرفون ألا فائدة ترجى ومع ذلك فقد أرسلوا رئيس المجلس المحلي وقائم مقام المدينة ليحلوا المسألة عسى أن يعرفوا أسباب الطلب المعجز،وكالمتوقع رجعوا بخفي حنين كما يقولون.
فبدأ أهل الفلوجة والعراقيون يترقبون القادم وبدأت الوساطات بين الطرفين بين الأمريكان وأفراد المقاومة اللذين كان الناس يعرفون البعض منهم ولكن بحسب المعلومات التي توفرت لدي عن طريق المفاوضين سواء كانوا من المسؤولين المحليين أو العشائر أو الحزب الإسلامي فان الوضع كان يتجه للتأزم وأن القوات الأمريكية أقفلت الأبواب وهي عازمة على فرض إرادتها وكنا من جهتنا نترقب الأخبار والتسريبات ونتابع التصريحات وكان مكتب الجزيرة في بغداد يتصلون بصورة يومية بشأن التطورات وطيلة هذه الفترة كان واجبي يتلخص بإمداد الجزيرة بآخر الأخبار وإن توفرت صور ننقلها على وجه السرعة لبغداد.
في نفس هذه الأيام كان القدر قد ساق الأخ\ أحمد منصور\ مقدم برنامج- بلا حدود- في قناة الجزيرة إلى بغداد لإجراء مقابلات مع بعض الضباط في الجيش العراقي السابق حول معركة بغداد بين القوات الأمريكية والقوات الأمريكية وأسباب سرعة الانسحاب وخسارة المعركة في الذكرى الأُولى لسقوط النظام والذي بات يعرف بأحداث 9\4 وكانت الجزيرة قد أعدت برنامجاً كاملاً يتناول أغلب تلك الجوانب وأعدت بعض البرامج والمتابعات واللقاءات مع الشخصيات الفاعلة قبل وبعد السقوط فوافقت هذه الأيام بداية شهر نيسان\أبريل عام 2004 .
وما زلنا في الترقب حتى اتصل بي حامد حديد في ليلة 3\4 وهو يتساءل .... هل من جديد وكانت الساعة الحادية عشر والنصف تقريباً وأخبرته أنني ألآن قد قمت بجولة على مشارف الفلوجة من جهتي الحي العسكري في الشرق ومنطقة الجسرين في الغرب التي تمثل المداخل الرئيسة للمدينة وأنه لا شيء يذكر وأن الحركة شبه طبيعية وكنت أتصل بأخي الذي يسكن في حي الشهداء من الجهة الشرقية للمدينة وهو يخبرني بالجديد وهكذا نمت .
في اليوم التالي جاءنا أخي مبكراً ليوقظني ويفاجئني بأن القوات الأمريكية تحاصر المدينة بالدبابات والآليات وأنها تمنع الدخول أو الخروج وبدأت الفوضى تدب في المدينة وبدأ الكثير من الناس يحزمون أمتعتهم أملاً في الخروج من المدينة وخاصة في الأحياء التي تقع في الأطراف منها العسكري والجغيفي في الشرق والشمال والشهداء الجولان في الجنوب والغرب وتكدست السيارات على المداخل محملة بالعوائل وبما استطاع الناس أخذه مما خف حمله.
|