فقد تفتقت عبقريات أحد الطلبة في جامعة عربية عندما وُجه إليه سؤال في مادة الثقافة الإسلامية يقول: منهم أولو العزم من الرسل ؟؟ فكانت الإجابة أن من بين أولي العزم فرعون..!! في حين أجاب عدد من الطلبة أن من بين أولي العزم من الرسل ميكائيل وعزرائيل، كما أجاب طالب آخر على سؤال عن النظرية الماركسية ومؤسسها؟ بأن الماركسية ديانة سماوية ... لكنني أعتقد أنهم لو سئلوا عن صاحبة أغنية " أخاصمك آه " لحصلت إجاباتهم على الدرجة الكاملة.
هذه الحكاية المؤكدة استوقفتني كثيرا وجالت في ذهني أسئلة كثيرة من نوع أي مستقبل ينتظر هذا الجيل إذا لم تصبح المعرفة أحد اهتماماته اليومية التي من خلالها يكتشف نفسه ويبتكر معنى جديدا للبناء الذاتي؟ وهل يمكننا أن نحلم بمجتمع المعرفة القادر على إنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط الإنساني؟ وهل يمكن محاصرة أمية حروف الهجاء المستفحلة في المنطقة العربية في وقت أصبح فيه للأمية في الغرب تعريف آخر هو أمية الحاسوب؟ هل يمكن لإصلاح التعليم ومناهجه أن يعيد للعلم قداسته وللمعلم مكانته؟ ثم لماذا تراجع الوضع العام للتعليم في
المنطقة العربية بالرغم من التوسع الكمي في أعداد المدارس والجامعات وفي ظل الثورة المعلوماتية والانترنت؟ لماذا يتقدم الآخرون ونحن نتراجع خطوات إلى الخلف؟؟ أسئلة كثيرة ومتوالدة لا تنتهي، بعضها يمكن الإجابة عليه والبعض الآخر قد يجيب عليه الراسخون في العلم، وإذا لم.. فالزمن كفيل بذلك.
إذا أردت أن تعرف حال أمة فانظر إلى منظومتها التعليمية والتربوية، وانظر إلى مكانة العلم والعلماء والبحث العلمي فيها... فهذه اليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة الإمكانات، محطمة المعنويات، مهيضة الجناح لا تقوى على لملمة جراحها، بل هناك من قال بأن شهادة وفاتها قد كتبت خاصة بعد تعرض هيروشيما ونجازاكي لقنبلتين ذريتين أحرقتا الأخضر واليابس، وبالإضافة إلى مرارة الهزيمة فإن هذا البلد لا يمتلك من الموارد الطبيعية ما يؤهله لمجرد الحلم بالنهوض من جديد.
ولم تكد تمر سنوات على الكارثة حتى تغيرت الأوضاع، وجاءت النتائج مخيبة لآمال صانعي سياسة الأرض المحروقة، أصبحت اليابان ندا لعدوها القديم بل يسعى هذا العدو لخطب ودها في أكثر من مناسبة، ولا يوجد بيت في هذه الدنيا إلا وأحد محتوياته يحمل عبارة صنع في اليابان. وما كان كل ذلك ليحدث لولا التمسك بسر نهضة الحياة وأكسيرها ألا وهو العلم. قال تعالى "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لاتنفذون إلا بسلطان"سورة الرحمن الآية 33، قال المفسرون إن السلطان هو العلم.
وبالمقابل فهذه أمتنا تُضرب على رأسها كل يوم وتستورد كل شيء حتى الخيط والإبرة من أعدائها، لكنها إلى الآن لم تستنهض قدراتها الكامنة، ولم تتأس بتعليمات دين كانت أول كلمة فيه" اقرأ"، وصمت آذانها عن توجيهات نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع " وقال أيضا : "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" .
إن وضعنا التعليمي البائس يتطلب تشخيص المرض بدقة ووصف الدواء الناجع، أما مسألة إصلاح المناهج التعليمية المفروضة من الخارج فهي لا تتعدى كونها إصلاحا شكليا ينصب على حذف عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تكرس العداء للآخر وتحض على محاربته كما يتصور صقور الإدارة الأمريكية والمحافظون الجدد، بمعنى أنهم يهدفون من وراء تغيير المناهج الحد من ما تسمى ثقافة الإرهاب وليس تعبيد طريق النهضة الشاملة للأمة العربية والإسلامية.
ولعل علة التعليم في منطقتنا العربية تتركز حسب رأيي في الآتي:
- تراجع ترتيب قيمة العلم والعلماء في السلم القيمي للإنسان العربي والمسلم حيث أُلصقت بالمعلم صورة "الدرويش" الذي لايُؤبه له.
- تراجع مكانة المعلم في ثقافة الدولة بشكل عام حيث لا تمنحه من الحوافز المادية والمعنوية ما يضمن له العيش بكرامة في مجتمعة، وما يترتب على ذلك من تراجع مكانته بين طلابه الأمر الذي يحدث تشويشا في العملية التعليمية برمتها.
- عدم الاهتمام بالمرحلة التمهيدية للتعليم، مع أنها من أخطر المراحل على الإطلاق لأنه كما يقال التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، والدليل على ما أقول من اليمن، عندما أصدرت الحكومة اليمنية في نهاية الثمانينات قرارا بفرض الخدمة الإلزامية على خريجي الثانوية العامة للتدريس في المرحلة الابتدائية، وتم الاستغناء عن خدمات عدد كبير من المعلمين العرب ، حيث كان لهذا القرار انعكاسات سلبية على المستوى التعليمي والمعرفي لايزال اليمن يعاني منها إلى اليوم.
ففي الوقت الذي تُعطي فيه الدول المتقدمة لمرحلتي الروضة والتعليم التمهيدي أو الأساسي أهمية كبيرة، بانتقاء أساتذة متخصصين في علم التربية وعلم النفس والاجتماع للتدريس فيهما، فإننا نجد عكس ذلك في الدول العربية، بل يعتبر التدريس في المرحلة الثانوية نوعا من الترقية للمعلم والنتيجة ما نراه اليوم، تحَوَل فرعون بقدرة قادر إلى واحد من أولي العزم من الرسل.
إن تردي وتخلف التعليم في العالم العربي بخاصة والأمة الإسلامية بعامة يمثل مشكلة حضارية تقوض واحدا من أهداف التنمية الإنسانية، وهو تحسين نوعية الحياة وإثراء القدرة الإنتاجية للمجتمع، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر مرات ومرات في المكونات الرئيسية للنظام التربوي والمتمثلة في المعلم وشروط عمله، ومنهجيات التعليم، والمناهج الدراسية، بالإضافة إلى عنصر آخر أكثر أهمية وهو ضرورة ابتعاد الأسرة العربية والإسلامية عن أسلوب التسلط في تربية أبنائها، لأن " التسلط التربوي" وحسب نتائج بحوث أكاديمية يعد المسؤول عن زيادة السلبية وضعف
مهارات اتخاذ القرار وكبح التساؤل والاكتشاف والمبادرة والكفاءة الاجتماعية في عملية التعليم.
إن العلم والمعرفة هما سبيل بلوغ الغايات الإنسانية كالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والرخاء الاقتصادي والتقدم العلمي والاجتماعي، ومالم يصبح التعليم والبحث العلمي أولى أولويات حكوماتنا العربية والإسلامية فسوف يأتي زمن يجيب فيه طالب عربي بأن الرئيس الأمريكي جورج بوش من أنبياء الله الصالحين.
الموضوع رائع ونحتاج الى المزيد من هذه المواضيع