تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
في انتظار البرابرة طباعة ارسال لصديق
15/07/2006

بقلم: منى سلمان

 

"عندما أنظر إليه أتساءل كيف أحس للوهلة الأولى , هل ارتجف ولو قليلا .... وجدت نفسي أتساءل أيضا فيما إذا كانت لديه طقوس خاصة للتطهر , ينفذها خلف الأبواب المغلقة , ليتمكن من العودة وأكل الخبز مع الآخرين , هل يغسل يديه بحرص ؟ أو يغير جميع ملابسه ؟ أم هل خلق المكتب الثالث رجالا يستطيعون أن يعيشوا دون القلق الكامن بين الطاهر والنجس؟ لو أنني مكانه ستؤلمني يديّ حتى  أنهما ستخنقانني " .

 

بهذه البراءة يصوغ كويتزي علي لسان بطل روايته البديعة "في انتظار البرابرة " وهو ينظر لأحد ضباط المكتب الثالث والذي كان يقوم بتعذيب المقبوض عليهم ليعترفوا بأشياء لم يسمعوا بها عن البرابرة القادمين, يصوغ أسئلة لطالما طردتها من رأسي معتبرة إياها من بقايا سذاجة ورومانتيكية فشلت في التخلص منها في رحلتي من سنوات المراهقة إلي الثلاثين , ولا أتذكر عدد المرات التي كان عليّ أطارد هذا الخاطر , كانت صورة ليندي انغلاند
المجندة الأمريكية المتورطة في فضيحة أبو
غريب واحدة من أقسى هذه المرات , ولا أعنى إحدى صورها التي باتت شهيرة وهى تمارس ساديتها مبتسمة للكاميرات , ولكن صورتها الأخرى , صورتها مع  حبيبها الذي كانت تحمل طفله في أحشائها وصورتها وهى تمضي إلي المحاكمة منتفخة البطن بوعد الأمومة القادم ,محاطة بتصريحات أسرتها المتعاطفة , منبع القسوة هنا كانت محاولتي التوحد معها للحظات , أن أتخليلها وهي تبتسم لحبيبها في وله ربما , أو هي تمر بمخاض مؤلم ثم تحمل طفلها وتضمه إلي صدرها وربما تمنحه حليب الأمومة , فشعرت أن الأمر يتطلب قدرا كبيرا من  الحب , كيف يمكن لامرأة بهذه القسوة أن تمنحه , تذكرت أول مرة خطر لي فيها سؤال كهذا , تذكرت شعوري تجاه زميل أيام الجامعة عرفت أنه يزيد من دخله ونفوذه عن طريق كتابة تقارير عن زملائه
في الجامعة ( حتى ذلك الوقت كنت أظن الأمر تاريخا تقدمه أفلام مثل الكرنك لتستشهد به صحافتنا الحرة ).


وتذكرت دهشتي الممزوجة بالاستياء عندما علمت أن زميلي
هذا يعيش قصة حب كللت بالزواج مع زميلة رقيقة مرهفة المشاعر ,


له أن يتزوج لكن ليس له أن يحب , لكن بما أن الأمر ليس في بساطة أفلام الأبيض والأسود حيث  يرتدي الأشرار ألوانا داكنة وتميزهم نظرات قاسية , أو مسلسلات مصاصي الدماء والكائنات الشريرة التي تعج بها الفضائيات , والتي تجعل المظهر البرئ قناعا يسقط عند أول استثارة لتظهر الأنياب  والمخالب , كان على أن أدين أسئلة كهذه واعتبرها علامة نضج ناقص عليّ أن أخفيه فالناس ليس لهم وجه واحد أليس كذلك ؟ , حتى وجدت كويتزي يشاركني , أو بالأحرى أنا التي أشاركه أسئلته الطفولية للبحث عن أصل البربرية وكيف وجدت , هذا الخوف من أن نصبح علي وفاق معها وأن تولد أجيال أفسدتها مشاهدة القسوة " فلنصل لهم كي لا يقلدوا ألعاب الكبار , أو سيكون هناك كارثة في الغد من الأجساد الصغيرة المتدلية من الأشجار.

" فكيف يمكنك ألا تتساءل عن القدرات الخارقة التي تجعل رجلا يعذب أبناء الآخرين ثم يعود ليلا ليحكم الغطاء على أبنائه وينصحهم بالابتعاد عن رفاق السؤ؟أو الذي يهتك عرض فتاة في الطريق ويمزق  ملابسها أمام الناس و يسبها بأقذع الألفاظ لأنها تجرأت وتجاوزت ذاتها لتصبح جزءا من حلم الآخرين , ثم يعود ليحتضن ابنته المراهقة أو يسترخي أمام التلفزيون مع زوجته ليشاهدا فيلما  رومانسيا أو مسلسلا مملا أو حتى يستجيب لشجارها حول مصروف البيت ؟

هل يمكن أن يتحول الأمر إلي روتين , طبيعة عمل , تنفيذ للأوامر ؟ هل يمكن أن يشبه الأمر في  الاعتياد ما يحدث مثلا لطلاب الطب عند دخولهم المشرحة للمرة الأولي , بعضهم يغشي عليه أو يصاب بالغثيان , ثم لا يلبث الأمر أن يتحول إلي روتين يمكنهم من تناول شطائر الكبدة والسجق بيد وتقطيع  اللحم البشري بالأخرى,؟ أم أن الأمر يتطلب قدرات خاصة وبشر من نوع مختلف "يستطيعون أن يعيشوا دون القلق الكامن بين الطاهر والنجس", عندما كان بطل رواية كويتزي يصف الضابط " ...
رجل بخصر صبي , وذراعيين عضليتين لمصارع شوارع محشور في البذلة الليلكية الزرقاء التي خصصها المكتب الثالث له , مغرور متعطش للمديح , ملتهم للنساء , لا يَشبع ولا يُشبع , أدخلوا في رأسه أن المرء لا يصل إلي القمة إلا بتسلقه هرما من الأجساد , وهو يحلم أنه سيضع قدمه على  حلقي ويضغط " كانت الصورة التي أطلت في رأسي هي صورة أحمد
زكي في الشخصية أداها
باقتدار والتي رسمها رؤف توفيق ومحمد خان في فيلم زوجة رجل مهم , قاس ومرير, يكفي اقترابه من امرأة شابة حتى يحول ربيعها إلي صحراء و يقتل ينابيع الحياة والشغف في قلبها بمجرد الملامسة , هكذا تصبح الصورة أكثر  اتساقا , "كانت الشارة تشي أنه ضابط مفوض في المكتب الثالث , ماذا يعني ذلك؟ إذا ما فكر المرء  سيجد أن ذلك يعني خمس سنوات من ضرب الناس ورفسها , والاحتقار للبوليس النظامي , وبالتالي للقانون , والكراهية لحديث نبيل مثل حديثي."

لم يكن بطل رواية كويتزي معنيا بالبطولة , فكل ماكان يبتغيه هو أن يمضي أيامه في سكينة في عالم  مألوف , وأن يموت في فراشه ويتبعه الأصدقاء إلي قبره , لكنه عرف بحكم وظيفته , لو أنني ذهبت في رحلة صيد لعدة أيام دون أن اقرأ التقرير , أو أنني تصفحته بعين لا مبالية , ووضعت خاتمي عليه دون أن أسأل ماذا تعني كلمة (تحقيق) , لكنني ياللأسى , نبهت أذني للضجيج القادم من الكوخ , ثم في الليل أخذت القنديل وذهبت للتأكد بنفسي " ولحظة أن أصبحت المعرفة واقعا بات السكوت مستحيلا , أراد الرجل أن يثبت أن البربرية ليست هي عادات الطعام المختلفة , أو الأشكال غير المهذبة , وان يترك رسالة للأجيال القادمة مفادها أنه عندما سادت قيم البربرية ومارستها الإمبراطورية بزعم محاربة أعدائها وتثبيت أركانها , فإنه ثمة رجل عاش ولم يكن بربريا في قلبه , برغم الثمن الفادح الذي كان عليه أن يدفعه , فقد عمل رجال المكتب الثالث علي أن يفقد  منصبه وشرفه , بل رفضوا حتى أن يمنحوه موتا بطوليا , لكنه أدرك أنه كان عليه أن يختبر الألم حتى يكفر عن خطيئة المعرفة والتواطؤ , فلم تكن محاولاته المستميتة في ترميم جسد الفتاة التي تركها رجال المكتب الثالث حطاما بعدما عذبوها أمام والدها وأذلوه أمامها كافية للتطهر , أو الطعام الذي قدمه في الخفاء للصبي الذي اعتقلوه مع عمه وهو في طريقه للطبيب وأجبروه علي الاعتراف  بتفاصيل مؤامراة وشيكة تبرر غزوة أمنية قادمة , فكان عليه أن يمارس أقصي درجات العلنية ليزيح القناع عن بربرية الإمبراطورية الذي تخفت ورائه بزعم حماية البسطاء من البرابرة القادمين في حين تكفلت هي بزراعة البربرية في أرواحهم , بقي أن نعرف أن بطل هذه الرواية " في انتظار  البرابرة" للكاتب الجنوب إفريقي ج. م. كويتزي والذي لم يستطع ضميره أن يتحمل أن يعرف ويمضي في طريقه متذرعا أنه فعل ما بوسعه , واختار أن يحارب قيم البرابرة , مهما كان الثمن, كان يعمل قاضيا , وانه بعد أن فقد سلطته وعزل من منصبه وتعرض للتعذيب ظل الناس ينادونه "حضرة  القاضي".

 

التعليقات (0)add
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك






ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع