|
أحمد الزاويتي ـ الجزيرة توك
أنا هنا لا أكتب كمراسل لقناة الجزيرة، الذي يجب أن يعرض الواقع وينقل الرأيين لا رأيه ويحاول أن لا يكون طرفا في أية قضية، أنا هنا أكتب موضوعا من نظرة كردية، لأنني أكتب من محيط كردي لا يمكن أن افصل نفسي منه، لكن في المقابل لا اكتب بانحياز!
كنت قبل أن أصبح مراسلا لقناة الجزيرة ومنذ عام 2000 أثرت في بعض المنتديات العربية موضوعا حساسا بعنوان ( أين العرب من إخوانهم الكرد؟! ) أثار جدلا استمر لسنين شارك في هذا الجدل أخوة وأصدقاء أحببتهم وأحبوني، وأثمر الجدل عن استفتاء حول الدولة الكردية مع خيارات أخرى للأكراد وهي أن يبقوا في أوضاعهم الحالية في دولهم حتى إعلان الخلافة الإسلامية، أو تحل مشكلتهم بالفيدرالية أو الكونفيدرالية أو الحكم الذاتي على طريقة صدام حسين، هذا الجدل أثار قضايا كثيرة بدءا من خيال كردستان اسرائيل ثانية إلى خيال آخر مناقض للأول وهو كردستان فلسطين ثانية لا إسرائيل، وبينهما كان فكرة الواقع لا الخيال وهي كردستان هي كردستان لا إسرائيل ولا فلسطين ثانية، وقضايا أخرى كثيرة منها الإهمال العربي للقضية الكردية مقابل الاهتمام نفسه لقضايا كأفغانستان،
والشيشان، والبوسنة الهرسك، وفلسطين.. إلى آخره من القضايا الإسلامية، أي إن العرب يتعمدون في إخراج القضية الكردية من ضمن قضاياهم كقضية إسلامية شأنها شأن قضية فلسطين، أو على الأقل أفغانستان أو الشيشان، ولا اخفي عليكم أنني كنت طرحت الموضوع من عاطفة وحس إسلامي من منطلق وجوب حب الأرض والدفاع عن المظلوم، وانصر أخاك ظالما أو مظلوما، والأقربون أولى بالمعروف..
في حينه شعرت بالفجوة الكبيرة جدا، بين الفهم العربي والقضية الكردية! وكذلك شعرت بكبر التقصير الكردي في خطاب العقل العربي أو العمل على جذب العقل العربي وفهمه لقضيته، أو ربما المهتمون بالشأن الكردي لم يحاولوا العمل على العمق العربي مثلما حاولوا العمل على العمق الغربي، وبرأي العمق العربي أهم من أي عمق آخر لدعم القضية الكردية أو لنقل على الأقل لا يقل أهمية من العمق الغربي، الحالة التي انتقلت أوتوماتيكيا إلى الإعلام العربي الذي يتعامل معه الكردي بحذر وقلق كبيرين..
رغم كل ذلك شعرت بعد جدل طويل في الحوارات التي كنت البادئ بفتحها ثم أعبقهتا حوارات فتحها آخرون وشاركت فيها، أن فهم العربي للقضية الكردية ليس مستحيلا وربما حتى ليس صعبا فيما إذا تمكن طرفا الحوار من إزالة الحالة النفسية التي تجمد الحوار في نقاط تحت الصفر المئوي! لأن بكل بساطة نتيجة الاستفتاء لخيار الدولة الكردية مثلا كان هو الخيار الفائز وكان من العرب من صوت له، هذا لا يعني انحيازي لخيار ما بينها الدولة الكردية، وبالتالي أكون متهما بالانفصالية بل هذا مجرد مثال وحوار نظري وجس لنبض المتحاورين والتغيير في المواقف من أشياء معينة.. وكانت نتيجة آخر هذه الاستفتاءات في أشهر وأكبر موقع عربي وهو ( الجزيرة نت ) أكبر دليل على ما أقول، فهذا الموقع كتب ملفا ربما هو الأكبر يكتب عن القضية الكردية بعنوان ( الكرد دروب التاريخ الوعرة ) وشمل استفتاءا ذا خيارات أربع بين الدولة الكردية الكبرى، والبقاء على ما هم عليه، والفيدرالية
والكونفدرالية، والنتيجة بعد تصويت أكثر من خمس وعشرين ألف مصوت جاء لصالح الدولة الكردية بنسبة 65 بالمائة مقابل نسب متفاوتة ضعيفة للخيارات الثلاثة الأخرى، ويمكن للقارئ أن يجد الملف هنا:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CB9A261B-D849-4E14-BFD7-A312D48803CB.htm
ويجد نتيجة التصويت هنا:
http://www.aljazeera.net/Portal/KServices/supportPages/vote/vote.aspx?voteID=1383&yourAnswer=0&actionType=0&di spType=1
إعلام يتعامل بتعال مع قضية
أعود للفكرة نفسها:
اشعر بحذر الكرد الكبير من التعامل مع الإعلام العربي، وذلك لأن حسب تصوره أن كل خبر وحدث متعلق بالكرد يصاغ من منطلق موقف مسبق من القضية الكردية، أي بعيدا عن التعامل الأكاديمي معه، فمثلا أبسط ما يتوقعه الكردي عند أي عرض لقضيته في الإعلام العربي انه سيسمى كردستانه بإسرائيل ثانية!! فجاء مثلا على لسان أشهر مذيع عربي في أشهر قناة عربية في أشهر برامجها عبارة ( إسرائيل الثانية أو ما يسمى بكردستان ) موجها خطابه لضيف عربي مشترك في برنامجه!! وليس ببعيد أن أمرا داخليا قد صدر من رئيس إقليم كردستان العراق حول تنظيم آلية رفع الأعلام في كردستان العراق، نظرا للفوضى الموجودة بين رفع الأعلام الحزبية المختلفة والكردية والعراقية في التفسيرات المتعددة له بين العلم القديم لزمن عبد الكريم قاسم والعلم العراقي لزمن صدام حسين بين حالتيه مزين بكتابة الله اكبر أو دونه فكان أن حصر القرار رفع الأعلام الحزبية فقط على مقرات الأحزاب، مع العلم الكردي ورفع علم العراق زمن عبد الكريم قاسم ولا أريد هنا التطرق للتفسير الكردي لذلك فهو معلوم مسبقا! وبعيدا عن تقيمي الشخصي لقرار رئيس إقليم كردستان العراق هنا في هذا الصدد، لكن بيت القصيد هنا هو كيف تعرض الإعلام العربي للقرار المذكور وهو جعله ( رئيس إقليم كردستان يأمر بإنزال العلم العراقي في إقليم كردستان العراق ) وهذا الخبر أحدث ضجة أوجعت رؤوس الكثيرين وانشغل الإعلام العربي به أكثر من أسبوع في النشرات والبرامج والتفسيرات المختلفة، وكلها كانت تصب أن هذا يمثل خطوة في طريق الدولة الكردية والخطوة مدعومة أمريكيا!!!
وليس ببعيد أيضا إثارة قضية العلاقة بين كردستان وإسرائيل ودور إسرائيل الحالي في كردستان العراق، أنا اكرر أنني لست بصدد تصديق خبر أو تكذيبه أنا بصدد عرض التفسير العربي لخبر أو حدث متعلق بالكرد!! مع أنني أؤكد أن الشارع الكردي بغالبيته لا يصدق ما يعرض في الإعلام العربي بالشأن الكردي كونه يشعر انه يأتي من مواقف مسبقة! على الرغم فيما إذا كان الخبر صادقا أم لا، فالتفسير العربي للعلاقة الكردية الإسرائيلية معروفة لدى الشارع الكردي، هذا التفسير الذي يجعل من كردستان اسرائيل ثانية، في حين لا يرى الكردي شبها بين الاثنين، بل يرى كردستانه اقرب لفلسطين العرب من إسرائيل..
استقبال نازحين يصبح اتهاما بالانفصال!
أكثر من 200 ألف عائلة عربية نزحت من وسط العراق إلى كردستان العراق، هربا من الحرب الأهلية وأكثر من 95% من هؤلاء هم مسلمين سنة، والبقية مسيحين، السلطات الكردية ولتنظيم هذا النزوح رتبت أمور إدارية روتينية بحتة من تسجيل واطلاع دوائر الأمن على هؤلاء وبالتالي الحفاظ على الأمن في كردستان العراق والذي يتميز به دون غيره من مناطق العراق، ورغم استياء نسبة كبيرة من الشارع الكردي من سماح السلطات الكردية بذلك، لأنه يتصور أن مرحلة تعريب جديدة ستبدأ في مناطقه وأحدثت الحالة هذه حالة غلاء فاحش في كردستان العراق في إيجار الدور والسكن صعدت إلى أكثر من 100% من أسعار الإيجار في كردستان بعد نزوح هؤلاء، وفي الوقت الذي كانت السلطات الكردية تترقب دعما إعلاميا عربيا لها في خطوتها هذه وتفسر بايجابية على أنهم يؤكدون على كردستان جزء من العراق جاءت الآلة الإعلامية العربية لتثير ضجة كبيرة حول هذا القرار ووصفه بأنه أيضا خطوة نحو الانفصال وفسرت الإجراءات الإدارية الروتينية الكردية بأنها إعطاء تأشيرات إقامة ودخول كما تحدث بين الدول!! في حين أنا مواطن كردي عراقي من مدينة دهوك اعمل في اربيل نقلت بيتي من دهوك إلى اربيل عملت الترتيبات الإدارية نفسها، قبل سنوات، والآن عندما انتقل إلى دهوك ثانية أو السليمانية احتاج لنفس الترتيبات بغض النظر أن أكون عربيا أو كرديا عراقيا!! وقبل أسبوع أراد أحد أعضاء المجلس الوطني في بغداد وهو مواطن كردي من كردستان، يسكن في بغداد نقل داره إلى دهوك، منعته السلطات الكردية وذلك لعدم قيامه بعمل الترتيبات الروتينية تلك التي نتحدث عنها...
قصتي مع والدي البيشمركة القديم
أما مصطلح البيشمركة في الفهم العربي وانتقاصه منه، وقداسته في الفهم الكردي والفجوة الكبيرة بين الفهمين، والمشكلة المتولدة من ذلك في العلاقة الكردية العربية فهذا حدث عنه ولا حرج، وهنا لا أريد أن اذهب للتاريخ، ولا أريد أن أتطرق لفهم الكردي لكلمة البيشمركة التي تعني باللغة العربية (الفدائي )، وواقع البيشمركة الآن من كونه ليس بمليشيات حسب الفهم الكردي بل أصبحت قوات نظامية منخرطة في الشرطة والأمن الكرديين، وقسم منه انخرط في الجيش العراقي الحالي، وكذلك سن الدستور العراقي قضيته في قوانينه، فهذا ما لا أتحدث عنه، سأسرد قصة عسى أن يقرب ما أريد قوله للقاري..
كنت في عصر احد أيام رمضاننا هذا، وكان والدي الذي دخل عقده السبعين ومصاب في عينه زارنا في اربيل لأخذه إلى طبيب عيون قادم من بغداد إلى اربيل، وكان يجلس بجواري وأنا أسوق السيارة والمذياع كان على محطة كردية تهاجم إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني، لكونه تطرق في خطابه إلى كلمة البيشمركة بسوء في حين لا علاقة للبيشمركة بقضيته ومشكلته الحالية في فلسطين والفجوة الواقعة بين فتح وحزبه حماس، حسب المحطة الكردية، وكانت تقرأ تصريحا من رئاسة إقليم كردستان بهذا الصدد حول أن هجوم هنية على البيشمركة لا يؤثر على العلاقة الكردية الفلسطينية، وينتقد التصريح موقف هنية من البيشمركة، فالتفت إلي والدي وهو مما يعرف عندنا في كردستان العراق بـ ( بيشمركة أيلول ) فقال ما هذا الحديث لماذا يهاجمون الهنية، وما علاقته بالبيشمركة؟ وكنت اعرف القضية وملابساتها وأعرف والدي حق المعرفة فهو كان في ستينيات القرن الماضي
متأثرا بالفكر الشيوعي الذي زاد من ثقافته ووعيه السياسي لكنه تركه لينظم في صفوف البيشمركة من منطلق قومي ووطني في نهاية الستينيات، ثم بعد سقوط الثورة الكردية عام 1975 ترك السياسة وترك كل شيء، لكنه يفتخر بتاريخه النضالي في صفوف بيشمركة أيلول، وهو متدين محافظ على قيام الليل وصيام أيام البيض وملازم للمسجد!! وكان صائما مريضا فلم أود أن افسد عليه جوه الروحاني ونحن نقترب من إفطار ذلك اليوم، فقلت لا شيء، هذه سياسة لنتركها جانبا، فقال لماذا يهجمون هنية!!
وهو كان في البداية منحازا لهنية لأنه فرح كثيرا عندما وصلت حماس للحكم في فلسطين وتيقن أن المشكلة الفلسطينية باتت محلولة بوصول حماس للحكم، لأنه كان يتصور أن لا حل للمشكلة إلا بالمشروع الإسلامي المقاوم لإسرائيل وهذا ما تحمله حماس حسب تصوره، وكأنه شعر أن مشروع صلاح الدين قد جاء ولا يمكن إنقاذ أقصى المسلمين إلا بمشروع صلاح الدين، وأن هنية وحماس اقرب إلى مشروع صلاح الدين من أي آخر، فالح علي منتقدا الإذاعة الكردية فقلت له أنهم يردون على هنية لكونه أساء إلى البيشمركة في آخر خطاب له، فقال وما شانه بالبيشمركة! قلت وما أدراني بذلك؟ فالتفت إليه وكانت أشعة من الأسى تخرج من عينيه المتألمتين أصلا، ويقول بحزن: كنت والكثيرين من أمثالي من الكرد ندع لهنية وندع لحماس بالانتصار من منطلق إسلامي ومن منطلق أنهم الأفضل أهذا هو رد جميلهم علينا يهاجمون البيشمركة دون أن يعرفوا عن البيشمركة شيء..؟
فقلت له يا والدي لا شأن للإسلام بهذا، هذه السياسة التي قال بشأنها الداعية الإسلامي الكردي الكبير سعيد النورسي حين قال : ( أعوذ بالله من الشيطان ومن السياسة ) فرد علي والدي غاضبا كعادته صدر الشيء نفسه من حسن نصر الله دعونا له بالانتصار وتعاطفنا معه وفرحنا لبطولاتهم لكنه جاء هو أيضا ليهاجم قضيتنا، واستفسر باستغراب من كل هذا، فهدأت من روعه لأعود به إلى روحانية الصيام وهدوء رمضان..
لكن يبقى البون شاسعا بين فهمين مختلفين للقضية الكردية، للكرد والعرب يؤثر على علاقة طالما أبقت على طيبتها رغم الأعاصير التي تجتاح المنطقة، فمتى يمكننا أن نحاول أن يفهم العربي وغير العربي حقيقة القضية الكردية؟ ومتى يمكننا أن نخرج كردستان من وراء القناع الإسرائيلي المخيف في العقل العربي، بل متى سيحاول العرب أن يتقربوا من القضية الكردية ويجعلون من أنفسهم داعمين لها قبل غيرهم؟ أجوبة تبقى غائبة حتى الآن، لكنها من مصلحة الطرفين، العربي والكردي.. فحتى لا يصبح كردستان اسرائيل ثانية يجب أن لا يتهم بذلك مسبقا، ويجب أن يكون هناك فهما صحيحا لمصطلحات كثيرة منها البيشمركة، ويجب أن يكون هناك حسن فهم متبادل لا سوء فهم، وحوار على قضايا لا من مواقف مسبقة..
|