|
بقلم : ياسر أبو هلالة
كنت أتمنى أن أكتب عن تيسير علوني بعد تبرئته، كنت أتمنى أن أتصل به وأن أهنئ زوجته أم أسامة وأن أنتقل بالهاتف إلى أسامة وباقي الأطفال. لكن للأسف جاء قرار المحكمة العليا بتثبيت الحكم ليحيل التهنئة إلى ما يشبه العزاء. مع بقايا أمل بالمحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
إنه قدر الله الذي كله للمؤمن خير، شكر في السراء وصبر في الضراء. ومثل تيسير يصدق فيه القول:
صبور ولم تبق مني بقية قؤول ولو أن السيوف جواب.
بقي في تيسير الكثير وبقي فينا الكثير. وكما صمد وصبر عقب تدمير مكتبين في كابول وبغداد يصمد ويصبر بعد حكمين في مدريد.
واقعيا كان من المفروض أن يكون تيسير في عداد الشهداء يوم قصف مكتب كابول. أو يوم قصف المكتب في بغداد. لكنها الأقدار التي لا تخضع للمنطق. تذكرت بعد الحكم ما كتبته أطوار بهجت - رحمها الله- تضامنا مع تيسير. مستذكرة كيف أسهم في تدريبها وتعيينها لاحقا. وما درت أنها ستدفع ثمنا أقسى مما دفعه تيسير. فأعداء الصحافة كثر يترصدون لنا كل مرصد.
عندما يقتل صحافي أو يسجن أو يتعرض لمضايقة لا تقتصر الخسارة على فرد. كم يخسر الناس من معلومات كان لا بد أن تصلهم ومن وسيط نزيه يعبر عن مواقفهم، الخسارة هنا تمس ملايين لا فردا واحدا. فوق ذلك كم صحافي سيجبن ويضن بمعلومات ويخلي مواقع خطر وينشد الأمان والراحة؟ هذه هي الخسارة الكبرى.
لكن ها هم الصحافيون في عين الخطر. ما غادروا أفغانستان ولا العراق ولا غيرهما وما انفك أعداؤهم يستهدفونهم سجنا واعتقالا وتضييقا. إنّها معركة متعبة للطرفين. ولكن شتان بين من يدافع عن أسمى القيم ومن يدافع عن مصالح سواء كانت لدول كبرى أم لأفراد.
أكتب إلى تيسير وعن تيسير، فالسنون السبع العجاف التي حكمت بها كأنها صدرت بحقي. فجريمتك يقترفها كل صحافي يحترم الحقيقة ويسعى لها. ولو أتيح لي اليوم أن أقابل أسامة بن لادن والملا عمر ما ترددت. وهو ما فعله قبلك صحافيون عصمهم من السجن أنهم ليسوا عربا ولا مسلمين.
لم يخيفوك من قبل ولم يخيفوك اليوم ولن يخيفونا أبدا. سبقتنا إلى بغداد وبقيت فيها ودماء طارق أيوب رحمه الله لم تجف، ولحق به مازن دعنا ورشيد والي وأطوار بهجت. فالخوف من الموت، لا يمنع الموت، بل يمنع الحياة. والخوف من السجن يبقيك في سجن الخوف. أنت الحر من وراء القضبان يا تيسير. والله الذي لا تخاف غيره قادر على إخراجك من غيابة السجن كما أخرجك من موت محقق في بلدك أولا وفي أفغانستان ثانيا وفي العراق ثالثا.
ما قهر "فهد" الزعيم الشيوعي العراقي الشهير ليس حكم الإعدام الذي صدر بحقه. ما قهره وهو ماض إلى حبل المشنقة أنه سأل هل خرجت مظاهرات فكان الجواب: لا.
أقول لتيسير؛ إننا لن نقصر معك وأنت في سجنك وصولا إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وللمحكمة الدستورية. وسنتضامن معك بكل ما نستطيع. وستعلم إسبانيا أن محاكم التفتيش لن ترهبنا.
|