تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
مدن مقطعة الأوصال... طباعة ارسال لصديق
23/08/2006

 

بقلم : ياسر أبو هلالة

إذ يوصف العصر الذي نعيش فيه أنه عصر ثورة الاتصالات فإنه في الوقت ذاته عصر القطيعة بين البشر بوصفهم أناسا لا أشياء. الانفجار الاتصالي يتوالى قل أن يخرج عن مداه إنسان أو بلد. وتزيد معه الشقة بين الناس. عندما تسير في المدن القديمة صغرت أم كبرت، تتلمس كم كان الناس قريبين من بعضهم. فالبيوت تحنو على بعضها وتتكاتف في أزقة أو "زنقات" بالتعبير المغربي. تجعل البيت جزءا من حي يشكل عائلة كبيرة. تتشابه دمشق القديمة مع الرباط مع بغداد ولا تبتعد عنها القرى والبلدات.

الطفل الحديث الذي تتسابق الفضائيات على تقديم ما يسليه ويعلمه. لا يجد من يؤنس وحشته غير "أجهزة" متوحشه تأكل عقله وقلبه وعينه ولا تبادله أية مشاعر. هذا الطفل بلا جيران بلا حارة بلا تواصل مع الآخر الإنساني. الأخر قد يكون بطلا كرتونيا قد يكون بطلا في لعبة بلاي ستيشن قد يكون أي شيء على قرص مدمج لكنه ليس إنسانا. الكبار ليسوا أحسن حالا منه. خلا أن في ذاكرتهم بقي شيء من الناس في العالم القديم.

في الغرب بدؤوا يحسون بالمشكلة وبدأ المعماريون – في ألمانيا مثلا– بتصميم وبناء مجمعات سكنية إنسانية. تصمم شوارعها على شكل أزقة لا تسمح بمرور السيارات بقدر ما تجعل الناس قريبين من بعضهم تمكنهم من تبادل التحيات. وفي مجمعات كهذه لا يخرج الطفل زنزانته الفردية ويختلط برفاقه وجيرانه. الإبداع لا يتجرعه الطفل من الأقراص المدمجة التي يتعاطها طلبة مدارس الخمس نجوم. الإبداع منتج بشري أساسا. ناتج عن تفاعل الناس مع بعضهم لا مع آلات صنعوها بأيديهم، فغدوا كالغابرين الذين عبدوا ما صنعتهم أيديهم.



إعادة الاعتبار للحي القديم سواء في المدينة أم القرية، ليس ترفا معماريا. هو ضرورة اجتماعية واقتصادية. فالضنك الذي يعيشه الناس اقتصاديا ينفرج كلما اقتربوا من بعضهم. في الحديث الشريف: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. وفي حديث آخر حذر المتجاورين الذين يبيت فيهم امرؤ جائع بقوله "برئت منهم ذمة الله ورسوله". فالتجاور يفرض تكافلا اجتماعيا وينتج مجتمع مدنيا مترابطا متماسكا، لا يحتاج رعاية الدولة.


التحديث العشوائي في العالم النامي قوّض أنماط حياة تناسب ناسه وإمكاناته لصالح أنماط لا تناسب الناس والإمكانات. في الأردن كانت القرى تتأسس قريبا من موارد المياه الشحيحة، وكان الناس يتكيفون مع واقعهم ولا يحمّلون المجتمع والدولة فوق طاقتهما. القرى البديلة التي تأسست كانت إلى جوار الطرق الأسفلتية الممتدة عشوائيا، تهجر القرية جريا وراء شارع الإسفلت وعامود الكهرباء وماسورة الماء. البناء الرفيق بالبيئة والمتناسب مع الإمكانات حجرا أم طينا قام مكانه بناء إسمنتي مشوه لا يقي حرا ولا بردا. وفي غمار التنمية الغبية كانت تمتد شبكات الطرق وفك حجم الواسطة ورغبة تجار الأراضي.


لا أحد يتحمل مسؤولية التشويه الذي تم سابقا. لكن من الممكن تجنبه حاضرا ومستقبلا. فالإسكان ليس فقط استثمارا تديره شركات العقار، ولا اضطرارا تلجأ له الأسر المتناسلة عشوائيا. الإسكان شراكة بين حاجة المجتمع والإنسان ورغبة المستثمر. يمكن إقامة مجمعات سكنية "إنسانية". توازن بين الإمكانات والحاجات. تشبه ما كان عليه الأجداد. عندما يضيق الشارع ونمنع دخول السيارة إلى الحي السكني، ونطور قطاع النقل العام نكون قد استجبنا لتحدي كارثة ارتفاع أسعار النفط. فقد انتهى عهد اصطفاف السيارات الخاصة أمام البيوت. والخيار سيكون بين رغيف الخبز والسيارة. الأغنياء أيضا يكرهون السيارات، سوليدير أرقى أحياء بيروت التجارية لا تدخله السيارات. وهو وسط بيروت القديم الذي دمرته الحرب الأهلية وأحياه الراحل رفيق الحريري.

الحنين للحي القديم ليس هوسا بالهوية والتراث. في المغرب يتسابق الأجانب الغربيون على شراء البيوت في الأحياء القديمة، لأنها أجمل وأفضل. فالناس خلقت لتتعارف وتجتمع وتتواصل لا لتنعزل عن بعضها.

التعليقات (0)add
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك






ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع