|
بقلم : ياسر أبو هلالة
في الغرب نوع خاص من المصورين احترفوا ملاحقة الشخصيات العامة في حياتهم الخاصة، المتلصصون أولئك تسببوا في مقتل الأميرة ديانا وعشيقها دودي الفايد عندما اصطدمت سيارتهما بجدار نفق فقضيا، وهما يحاولان عبثا التواري عن أعين المصورين المتلصصين. في حينها ثار جدل واسع في الغرب حول أخلاقية التلصص على الحياة الخاصة للشخصيات العامة، لكن لم يجرؤ أحد من تلك الشخصيات على الاعتداء على مصور صحافي. وفي احتجاج "أكاديمي" على تلك الظاهرة خرجت أشهر دورية بحثية متخصصة في دراسات الإعلام في جامعة كولومبيا بلا صور.
مأساة الأميرة ديانا معكوسة عندنا، فالصحافي الذي يذهب لمجلس النواب لم يدخل على مزرعة نائب ولم يتلصص من ثقب مكتبه، ولم يدخل على الحيز الشخصي والحميم من حياته، الصحافي تحت القبة يصور مكانا عاما لشخصيات عامة، وفي أكثر الدول تغطى جميع جلسات المجلس على الهواء إضافة إلى الجلسات المهمة في اللجان. ومن المفروض إن يستغل النواب هذه الفرصة أفضل استغلال لعرض مواقفهم والتواصل مع قواعدهم، فالكاميرا مرآة، وكما قال ابن الرومي "إذا كان وجهك قبيحا حسنه ولا تكسر المرآة".
على الطريقة الأردنية تحل الأزمات الجوهرية، فناجين قهوة وقبلات على مضض وتراض مفتعل. المرجح أن تنتهي هكذا واقعة الاعتداء على المصورين الصحافيين. الأولى بنا الاعتراف بأن شخصيات عامة بمواقع مرموقة لا تعرف شيئا عن أولى درجات الصعود إلى الديمقراطية وهي حرية الصحافة. قبل مدة قصيرة ذهب زميل صحافي، بناء على موعد مع وزير متخرج من جامعة غربية ويكثر الحديث بالإنجليزية وعلى محياه ملامح حداثة، وبعد انتظار قال الوزير لمساعدته لا أريد مقابلته، ولم يكلف نفسه بالاعتذار ولا بتأجيل الموعد.
ليس ثمة مشكلة في رفض الوزير التعامل مع صحافي، فرامسفيلد، وزير الدفاع الذي أسقط في عهده نظامان ظل إلى أن استقال يرفض أن يركب على طائرته صحافيو نيويورك تايمز، لكن هو لا يتعامل على طريقة وزيرنا باعتبار أن الصحافي موظف علاقات عامة في وزارته، يستدعيه ويرده متى شاء. البديهية تقول أن الصحافة سلطة مثلها مثل السلطة التنفيذية.
الحداثة ليست رطانة باللغة الإنجليزية وملامح مزيفة، الحداثة تفكير قبل كل شيء، والمظاهر المتحضرة لا تلغي حقيقة من تخلف عن قطار العصر. الصحافة الحرة ليست منة من أحد هي مثل الكهرباء التي لا يجوز أن يبقى بيت من دونها. ومن لا يزال يعتقد بأنه يمكن للمجتمع أن يعيش من دون صحافة حرة عليه أن يعيد عقارب الزمن مائة عام إلى الوراء.
وبما أن ذلك غير ممكن فعليه أن يتطور أو يضع نفسه في محمية طبيعية باعتباره كائنا معرضا للانقراض.
أعداء الصحافة ليسوا نوابا فقط، بل تجدهم في الوزارات والجامعات، تماما كما تجدهم في أحزاب المعارضة والنقابات. لكن ما حصل في مجلس النواب لا سابقة له، لا في الأردن ولا في خارجه، وهو تعبير عن مستوى وعي بعض من يصلون إلى مجلس النواب بأبسط بديهيات الديمقراطية. ما حدث أعادني إلى جلسة افتتاح الدورة العادية عندما تحدث مرشح المعارضة، زهير أبو الراغب، الذي يعبر عن كتلة نيابية كبيرة معتبرة، وهي كتلة نواب جبهة العمل الإسلامي، ومع أن ترشيحه لم يكن يشكل تهديدا للرئيس عبدالهادي المجالي الذي حقق فوزا سهلا، إلا أن موقف النواب ورئيس المجلس كان غريبا. لم يكد الرجل يهاجم قانون الصوت الواحد حتى قام كثير من النواب بمقاطعته، ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق والنائب المخضرم عبدالرؤوف الروابدة، وهو كان من ألد أعداء الصوت الواحد عام ثلاثة وتسعين، وانتهى الأمر بإسكات رئاسة المجلس لمرشح المعارضة من خلال رفع الجلسة.
مجلس يضيق بكلمة مرشح الأقلية المعارضة، ويهاجم الصحافيين، لا يجوز أن ندعو إلى حله، ولا يجوز أن ينسينا بديهية المادة الأولى من الدستور "نظام الحكم نيابي ملكي".
المجلس سيد نفسه، وعند الانتخابات يحاسب النواب. وموعد الانتخابات مقدس لأنه اليوم الذي يحاسب فيه الناس نوابهم. والصور التي التقطها الصحافيون للنواب تحت القبة هي جزء من كشف الحساب، فوق ذلك النواب شخصيات عامة يحاسبون حتى على حياتهم الخاصة. وعلى الصحافيين أن يطاردوهم أينما كانوا !
|