|
لحظة " الجزيرة " التاريخية |
|
|
|
18/11/2006 |
|
بقلم : أحمد منصور ـ الجزيرة توك

كنت والزملاء إبراهيم هلال نائب مدير قناة الجزيرة الإنجليزية وحافظ الميرازي مقدم برنامج من واشنطن ، وجاسم العزاوي مقدم برنامج من قلب العراق وسعد العنزي مدير مكتب الجزيرة فى الكويت نقف فى غرفة الأخبار فى قناة الجزيرة الإنجليزية ونحن نكتم أنفاسنا حينما نادي مدير الاستوديو على الحضور بصوت عال طالباً من الجميع الصمت، فقد بقيت دقيقة علي تلك اللحظة، لحظة انطلاق أول قناة تليفزيونية إخبارية عربية بل من كل دول الجنوب الفقيرة ناطقة بالإنجليزية و موجهة إلى دول الشمال الغني التي كانت تحتكر صناعة الإعلام حتى عشر سنوات خلت حيث انطلقت قناة الجزيرة عام1996، وبدأت تكسر الاحتكار الغربي لصناعة الخبر، وصناعة الصورة، ثم بعد عشر سنوات جاءت تلك اللحظة التي تقارع فيها الجزيرة الإعلام الغربي بلغته، وبإمكاناته، ولكن بشكل متميز لم يقربه الإعلام الغربي من قبل، فالغرب هو الذي كان يحدد الأجندة الإخبارية للعالم لكن قناة الجزيرة الإنجليزية قررت أن تحدد هي أجندة الأخبار التى تري أنها الأولى أن تصل للغرب والعالم عن الجنوب المهمش والمهمل من الغرب، وكانت نشرة الأخبار الأولي فى الثالثة مساء بتوقيت مكة المكرمة فى الخامس عشر من نوفمبر من العام 2006 ، تمثل لحظة ميلاد " صوت الجنوب " .

كان التوتر بادياً علي معظم الحضور لكن أكثرهم توتراً شولي جوش ذات الأصول الهندية، وسامي زيدان ذي الأصول العربية الذين قدما نشرة الأخبار الأولى، ومع انطلاقة الإشارة وبدء البث كانت فلسطين هي الخبر الأول، وتقريراً أعدته جاكي رولاند مراسلة بي بي سي التي انضمت لفريق الجزيرة، وفي مقابلتها الأخبارية كانت القدس القديمة وقبة الصخرة بما لها من دلالات هي خلفيتها، وكان أول شخص يحاور ويقدم رأيه للعالم هو خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ثم جاء تقرير نور عودة من غزة ، ثم قدم ديفيد شيتر تقريره من غزة أيضاً، بعد ذلك انتقلنا إلى دارفور حيث قدم أندرو سيمونز تقريراً مميزاً، تبعه بث مباشر من مخيمات اللاجئين وطبيعة الحياة هناك ، ثم تقريراً من زيمبابوي ، ثم تقريراً من طهران أعده المراسل العالمي المتميز راجي عمر البريطاني الصومالي الأصل، ثم ذهبنا إلى العراق وتم بث صور لم يراها الغرب من قبل عن المجازر اليومية للعراقيين والمقابر الجماعية للمئات الذين لم يتم التعرف على هوياتهم، والذين بلغوا حسبما نقل التقرير عن مجلة " سانست " الطبية البريطانية المرموقة 650 ألف عراقي منذ دخل بوش بجنوده إلى العراق ليقيم نظاماً من وحي خياله حول العراق إلى مايراه الناس ويعيشونه كل يوم، ثم انتقلنا إلى الصومال وما يحدث فيها، ثم جاء جون كوكسون من الكونغو فى تقرير عن الانتخابات هناك وفي الليل انفرد بأول حوار مع جوزيف كابيلا الابن الذي نجح فى الانتخابات، ثم قدم لنا جون بايس من أفغانستان تقريراً مميزاً عن وضع أفغانستان بعد خمس سنوات من سقوط نظام حركة طالبان ، ثم انتقلنا لأمريكا الجنوبية ـ فنحن فى الجنوب دائما بكل مدلولاته الجغرافية والسياسة والأقتصادية ـ حيث قدمت لوسيا نيومان تقريراً مميزاً من البرازيل ثم شاهدنا تقريراً عن الصين والازدحام بها، غير أن أميز التقارير وكلها كان مميزاً هو أن يقوم شخص عادي بصناعة تقرير إخباري، خالد أبوسعدة سائق سيارة الإسعاف الفلسطيني الذي جرح أثناء نقله الجرحي فى مجزرة بيت حانون الأخيرة، قدم قصته وقصة سائقي الإسعاف الفلسطينيين وهم يقومون بنقل الجرحى والقتلى الفلسطينيين جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وكانت المرة الأولى التي يقوم بها شخص عادي بإعداد تقرير بصوته إلى محطة عالمية، وأخبرني إبراهيم هلال أن هذا سيحدث من آن لآخر وأن هذه إضافة إعلامية غير موجودة فى المحطات الأخبارية العالمية ، في كل النشرة التى استمرت ساعة كاملة لم يكن للغرب نصيب سوى في خبر عن مرور بوش علي موسكو حينما هبطت طائرته لإجراءت فنية فالتقى الرئيس بوتن وتباحث معه فى بعض القضايا، كانت النشرة كلها موجهة من الجنوب إلى الشمال ومثلت انطلاق صوت الجنوب إلى العالم لتبدأ مقارعة جديدة للإعلام الغربي واحتكاره لصناعة الخبر والصورة طوال العقود الماضية .

أخذ الخوف يتبدد من نفوس الجميع كلما ظهر خبر وراء خبر ، وعندما أعلن سامي زيدان وشولي جوش نهاية النشرة والانتقال إلى مكتب الجزيرة فى كوالا لامبور لتقديم النشرة التالية، حيث تقدم الجزيرة الأنجليزية نشراتها من أربع مكاتب مختلفة ارتفع التصفيق في جنبات محطة الجزيرة الإنجليزية وأخذ الجميع يتبادل التهاني بالأنطلاقة المميزة وبتلك اللحظة التاريخية، فهذه أول نشرة أخبار فى تاريخ الإعلام العالمي تنطلق إلى العالم تحمل أخبار الجنوب المهملة إلى العالم، والمهم أنها تحملها بلغة مهنية عالمية راقية، ومراسلين محترفين عالميين تجمعهم اللغة الإنسانية والاهتمام بالإنسان الجنوبي المهمش وبقضاياه ، فهناك أكثر من خمسة تقارير من إفريقيا وثلاثة من فلسطين وواحد من العراق وأفغانستان والصين وإيران والبرازيل ، وهذا يعني الكثير للذين كانوا يهمشون هذه الأماكن أو يقدمونها للعالم بمنظورهم الغربي وليس بالمنظور الإنساني العادل، أخبرني إبراهيم هلال أن هذا سيكون النهج الدائم، وأخبرني وضاح خنفر مدير شبكة الجزيرة أن الحرب قد بدأت على الجزيرة الإنجليزية حتى قبل ولادتها حيث رفضت كثير من شركات الكيبل التى يعتمد عليها الغرب فى إيصال القنوات الفضائية للمشاهدين ترفض إدخال الجزيرة ضمن باقاتها بينما ألغت أكثر من شركة كيبل تعاقداتها مع الجزيرة قبل البث بيوم واحد ، ويبدو أن المعركة ستكون حامية فى المستقبل، فالغرب حارب الجزيرة الناطقة بالعربية رغم أنه لم يكن يفهم لغتها، فماذا سيفعل مع الجزيرة الأنجليزية التي تتحدث لغته والتي ستكسر إهماله للجنوب وأهله وقضاياه، لقد بدأت لحظة تاريخية جديدة للإعلام العربي نأمل أن تحقق ما يأمل كل إعلامي عربي بل وجنوبي في تحقيقه .
|