|
الزائر لعاصمة الخلافة العثمانية اسطنبول ، تستوقفه مشاعر عجيبة غريبة، ربما أكثر ما يعبر عنها هو غموضها والفشل في تفسيرها ، التفتت إلي ابنتي لتقول لي : لا أشعر أنها المرة الأولى التي أزور فيها هذه المدينة، إنني أشعر وكأن لي حصة فيها ، لا أشعر بالغربة فيها ، كان أطفالي يتراكضون ويلعبون ويلهون في شوارع غريش برنو وكأنها شوارعهم ، أو شوارع قريتهم في تفتناز بمحافظة إدلب شمالي سوريا ، التي حُرموا منها بسبب طغيان النظام الطائفي هناك .
هذه العاصمة العثملية حكمت العالم الإسلامي طوال خمسة قرون أو أزيد ، وبالتالي باعتقادي أن كل مسلم يزورها يشعر أن له حصة فيها ، وهذا ما فهمته من كثير من الأصحاب والأصدقاء الذين زاروها وتملكهم نفس الشعور الذي شعرت به ، وأحببت هنا أن أنقل لكم بعض اللفتات الرائعة من الحكم العثماني الذي تربع على مشهد الخلافة الإسلامية طوال هذه القرون...
1- يذكر المؤرخ التركي عثمان نزار في كتابه " حديقة السلاطين " موقفاً للسلطان العثماني بايزيد الذي هزم الجيوش الأوربية المكونة من خمس عشر دولة ، والتي احتشدت لحربه في معركة نيغوبولي عام 1396 م لطرد المسلمين من أوربا ، والتي أسفرت عن هزيمة الجيوش الأوربية المحتشدة ، القاضي العثماني شمس الدين فناري حين طلب السلطان العثماني للشهادة رد شهادته ، فبهت الحاضرون وكان مبعث الرد هو قول القاضي إن السلطان لا يشهد الصلوات الخمس في المسجد ، وهو ما يعني أنه قد يكذب في الشهادة ، لم يكن رد السلطان الأمر بقطع رأس القاضي ، وإنما عالج خطأه ببناء مسجد قرب القصر ، وبدأ يشهد الصلوات الخمس فيه ، حين كان لدينا هكذا قضاة كان لدينا هكذا سلاطين .
2- طوال فترة الحكم العثماني كان القرآن يُقرأ في قصر يلدز على مدار الساعة ، بحيث استأجرت السلطنة ثمانية وأربعين مقرءً من العالم الإسلامي ليقرأ كل واحد منهم نصف ساعة ، وتواصلت هذه العادة الجميلة طوال فترة حكم الخلافة العثمانية .
3- كان السلطان العثماني لديه شخص معين لإيقاظه على صلاة الفجر ، يقول له حين يؤذن الآذان : يا سلطان لا تكبر .. الله أكبر.
لكن بكل تأكيد هذه ليست كل النقاط المضيئة في تاريخ السلطنة العثمانية ، ولا يعني ذلك أنه ليس هناك نقاط سلبية ، فالكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر كما قال الإمام مالك رحمه الله ـ مشيراً إلى قبر المعصوم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
|
ومن اهم عوامل النهوض ه تعاقب سلاطين يحكمون شرع الله .والمشاركة الفعالة للعلماء والفقهاء في الحياة السياسية. فلو تصفحنا كتب التاريخ لقرانا حكايات عن سلاطين لن نصدقها في عصرنا الحالي لاننا نحيا في زمن سلاطين لا يدرون شرع من يحكمون . فذاك محمد الفاتح فاتح القسطنطينية,والسلطان مراد الاول وسليم الاول وسليمان القانوني وغيرهم كثير ... ,والذي ازدهرت في عهدهم الدولة واحيوا العدل بين الناس . وبالمناسبة كلما قرات عن اغلب سلاطين الدولة العثمانية تجد التاكيد على مبدا العدل بين الناس مسالة متوارثة خلفا عن سلف .
والعدل دائما يستوجب النصر. اضافة انه كانت هناك اسس ثابتة قامت عليها الدولة العثمانية اهمها حماية الاماكن المقدسة من الاطماع الصليبية . والسعي وراء الوحدة بين الولايات العربية . وايقاف الزحف الاستعماري على اراضي الشام وباقي الاراضي الاسلامية . كذلك دعم ومناصرة اهالي الشمال الافريقي ضد الحملات الاسبانية والاوروبية . ومنع اليهود من الاستيطان في فلسطين . وكذا الحد من انتشار المد الشيعي الرافضي .
فكانت هذه الاسس تختلف في سلم الاولويات حسب كل خليفة لكن اغلب السلاطين عملوا على ترسيخها ابان فترة حكمهم.وهذه الاسس بالتحديد هي ما يفتقدها حكامنا .والنتيجة اننا نحيى في زمن الهزائم .
لكن مجمل القول انه كما تكونوا يولى عليكم ربما الخلل في انفسنا نحن .فالحاكم في النهاية لا ينزل من القمر بل هو ابن الوطن ذاته . لذا القاعدة الاساس التي يجب ان نستحضرها دائما , ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم .ونامل ان تستعيد هذه الامة مجدها وعزها بتظافر جهود شعوبها وعلمائها وحكامها ,ونقول أولئك آبائي وهكذا نحن ومثلهم سيكون ابنائي ......