|
07/10/2008 |
خالد المحمود - الجزيرة توك
تبدو قدرتنا على التواصل الإنساني تتناقص مع تزايد قدرات وسائل الاتصال!
أثق أنني لست أول من يكتشف هذه الحقيقة، لكنها ما فتئت تزداد رسوخاً في ذهني مع تزايد تجذرها في الواقع المعاش.
لاحظت هذا مؤخراً في أيام العيد المنصرمة. فمع مواسم المناسبات السعيدة، تجد أن وسيلة الاتصال الأكثر وصولاً للآخرين (الهاتف النقال) هي بعينها التي تمنعك من التواصل معهم. ذلك أن الرسائل النصية توفر أوقاتاً طائلة يمكن أن تنفق في الاتصال المباشر، فضلاً عن الجهد المبذول في الحديث مع كل شخص على حدة.
شخصياً، أجد أن رسائل الهاتف النقال، رغم ما لها من فوائد، أمست عنصراً مساعداً في تحويل العلاقات الإنسانية التي تتصف بالتراحم والمودة إلى علاقة تكنولوجية جامدة أو عملية شبه تعاقدية بين الناس. إذ إنها تقوم على أساس أداء الواجب الاجتماعي في أدنى درجاته. وبذلك، فإن رسائل التهنئة تلك باتت تعبيراً عن قطيعة مُقنـَّعة أكثر منها تواصلاً حقيقياً.
ولعلنا، دون أن ندرك ذلك عملياً، أحسسنا بأن العلاقات الإنسانية بيننا تشيـَّأت وانتزعت منها قيمتها الروحية والعاطفية. ولذلك فإننا نسعى على الدوام في أن نضفي عليها نكهة إنسانية، كثيراً ما تكون مبالغاً فيها، كأن نرسل تلك الرسائل عدة أيام قبل حلول العيد أو أي مناسبة أخرى تدليلاً على الحرص على التواصل (وكأن الأمر أصبح سباقاً). كما يغلب على رسائلنا تلك تأكيد رغبتنا في أداء واجب التهنئة "قبل كل الناس"! ناهيك عن أن البعض أصبح متخصصاً في كتابة السجع والأشعار والكلمات المبالغة في اللطف والتعبير عن المحبة الخاصة في رسائله. وهي مشاعر ربما تكون غير صادقة في كثير من الأحيان، إذ إن الأرجح أن المرسل يبعث بنفس الرسالة لقائمة طويلة من الأسماء تشمل إخوته وجيرانه وأصدقاءه المقربين وزملاءه في العمل ومعارف آخرين، وهؤلاء يختلفون في درجة قربهم إليه ويتفاوت مستوى تقديره لكل منهم. ورغم ذاك فإنهم جميعهم يتلقون نفس الرسالة التي تؤكد أن المرسل يعتبر كل واحد منهم استثناءً لدى صاحب هذه الرسالة الاستثنائية.
بل إن الأجيال الجديدة من الهواتف النقالة سمحت بإرسال رسائل مصورة، وملونة، بل ومتحركة أحياناً. وهذا دفع البعض إلى إبداع رسائل أكثر تطوراً من الرسائل النصية. لكنها في كل الأحوال، تبقى مسكونة بنفس القيمة التي تثبت الحضور الشخصي في عملية تواصل ٍ تعدِم المودة الصادقة والتراحم الحقيقي بين الناس.
لهذا السبب، قررت ألا أكون شريكاً فيما أعتبره جريمة ضد الإنسانية! وعليه، فإنني حاولت قدر استطاعتي تخصيص وقت ما للاتصال المباشر بمن أحتفظ بأرقامهم في هاتفي. أغلب هذه الأوقات كانت في الفترة التي أقضيها في السيارة بين زيارة وأخرى. فكنت أقسِّم الموجودين إما بحسب طبيعة العلاقة (أقارب، أصدقاء، زملاء عمل، مكالمات خارجية ...) أو بحسب الترتيب الهجائي. ورغم يقيني أنني قد لا أستطيع أن أخابر الجميع خلال أيام العيد (خاصة أن القائمة في تزايد) فإنني آليت على نفسي أن أبذل جهداً أكبر في هذا السبيل، عن أن أختار الخيار الأسهل من الناحية العملية، والمكلف كما أزعم من الناحية الإنسانية.
لم يخب ظني في التأثير الذي أحدثته تلك المكالمات على من اتصلت بهم، خاصة أولئك الذين لا أداوم على مخابرتهم أو الذين غالباً ما يدفعني للاتصال بهم حاجة من حوائج الدنيا. إلا أن ما لاحظته هو المدى الذي بلغته في إدراكنا وحواسنا تلك النوعية الحديثة من العلاقات غير الإنسانية عبر الرسائل النصية.
كانت المكالمات غالباً ما تبدأ بشيء من الحذر وربما التوجس من الطرف الآخر. إذ ما الذي قد يدفع مثلي للاتصال في أيام العيد، في ظل وجود بديل يوفر على الجميع عناء المكالمة والتواصل الإنساني! لولا أنني مع تكرار التجربة، بت حريصاً على التأكيد أنني لم أتصل إلا لأهنئ بالعيد وأطمئن – صوتياً – على من أخابره. وما أن يصل هذا المعنى للطرف الآخر حتى أجد الترحيب والتقدير الشديد لهذه المبادرة الأصيلة. ولم تخل أغلب المكالمات من إطراء للجهد الذي تجسمته بالاتصال الشخصي!
مكالماتي تلك لم يبلغ أكثرها دقيقة واحدة، بمعنى أنها كلفتني نفس مقدار تكلفة الرسالة النصية، وربما أقل. لكنها في المقابل أكسبتني أكثر بكثير مما يمكن أن تكلفه أي مكالمة أو رسالة نصية. فالقدر المتيقن أنني بمجرد انتهاء إحدى تلك المكالمات، كنت أشعر بإنسانيتي أكثر من ذي قبل. ولو لم يكن لي من فرحة العيد سوى هذا الشعور لكفاني.
لولا أن ذلك الشعور لم يكن وحدَه ما نلته في العيد. فأنا واثق أنني أشعرت كلَّ واحد ممن خابرتهم بإنسانية، وأن قيمته تتجاوز التهنئة المحبوسة في هاتف متحرك، مهما كانت الرسالة جميلة ومعبرة. ذلك أن العلاقة الإنسانية اكتسبت روعتها بالروح العلوية التي تسكن أجسادنا، ولولاها لما كان لها أي معنى.
وإذا انتزعنا من العيد هذه العلاقة التي تزدان بهذه القيمة، فأي شيء يبقى في العيد لنحتفي به كل عام!
تقبل الله إنسانيتكم.
|