|
22/01/2007 |
|
بقلم : أحمد منصور ـ الجزيرة توك
أثناء تغطيتي لحروب أفغانستان والبوسنة والهرسك والعراق كان الجانب الإنساني يأسرني دائما ، فأسوا ما في الحروب ليس تدميرها للقرى والمدن فهذه يعاد بناؤها ، ولكن أسوأ ما فيها هو تدميرها للإنسان ، وقد لاحظت مع كثرة التقارير الإخبارية سواء التليفزيونية أم الصحفية التي تقدم عن الحرب في العراق أن الجانب الإنساني يكاد يغيب فيها ، قليل من الصحفيين والمراسلين من يحاول الدخول إلي النفس الإنسانية وإلي أعماق الإنسان العراقي ليكتشف حجم ومقدار الجريمة التي ارتكبت في حقه وحجم الدمار الذي لحق بأركان نفسه وجوانبها .
في مطار عمان استوقفتني سيدة عراقية في نهاية العقد الرابع من عمرها ـ وكانت معها ابنتها علي أعتاب الشباب ـ فقالت المرأة لي : لماذا لا تعكسون في برامجكم وأخباركم الجانب الإنساني لنا في العراق لاسيما للنساء ، أنا اعتقلت من القوات الأمريكية وقضيت ستة أشهر في سجن أبو غريب ، وابنتي هذه الصغيرة اعتقلت وقضت شهرا في السجن وهناك مئات النساء العراقيات الأخريات لازلن في السجون الأمريكية والعراقية ربما منذ بداية الاحتلال ، ولا يتحدث عنهم أو عن مأساتهن أحد ، وكأن الأمة لم يعد بها نخوة أو غيرة أو رجال ، ورحم الله المعتصم ، ربما أعانني الله وخرجت صلبة في ظاهري علي الأقل ، لكن ابنتي هذه واجهت صدمة شديدة وهي في مقتبل عمرها وأصبحت كأطلال امرأة هرمة وهي بعد لم تبدأ حياتها ، حينما كشفت فضيحة سجن أبو غريب هاج العالم وماج ، ثم خفت كل شيء وانتهي وكأن سجن أبو غريب قد أغلق ، وكأن من ارتكبوا ويرتكبون الجرائم فيه قد توقفوا ، كل شيء علي ما هو عليه لم يتغير شيء سوي أن الناس والعرب والمسلمين تحديدا قد صمتوا ، التعذيب والانتهاكات التي تحدث علي أيدي القوات الأمريكية أو علي أيدي القوات
الحكومية الموالية لها لا تخطر علي بال أحد ، ومن الصعوبة أن تروي ولو رويت ربما لا يصدقها الناس ، إنني في طريقي لحضور أحد المؤتمرات لأروي تجربتي وتجربة ابنتي ربما تلامس آلامي وآهاتي وجراحي أسماع أحد من هؤلاء الصامتين أو الراقصين علي جراحنا ، وسوف أفضحهم وأفضح أفاعيلهم ربما تخفف قليلا عن نساء العراق الأسيرات لدي الأمريكيين أو القوات الحكومية الموالية لها ، ما ذنب ابنتي ومئات مثلها ممن لا يكدن يغادرن طفولتهم حتى يمروا بتلك الصدمة القاسية التى تركتها حطاما كما تراها ؟ ما ذنب الأمهات والأخوات والبنات اللائي يلقين فى السجون لأنهن يردن وطنهن حرا خاليا من المحتل ؟ إنهم هم الذين بغوا علينا واحتلوا بلادنا وقتلوا أبناءنا وأزواجنا وآباءنا أو اعتقلوهم ؟ لم يعد أحد آمن فى بلادنا ،
إنني أتمني من كل كاميرات الدنيا أن تأتي وتسجل تلك الآلام التي نعيشها كأمهات عراقيات ، وكيف أصبحت الواحدة تصبح وهي لا تدري من الذي سوف يمسي حيا من عائلتها وتمسي ولا تدري من الذي سوف سيبقي حيا أو غير معتقل من أسرتها ، إنني أتألم وكل امرأة في العراق تتألم وكل عائلة تتألم وألمنا الذي سببه المحتل أصبح في كل شيء ، وأسوأ آلام الحياة هو الخوف وعدم الأمن ، والأسوأ منه الوضع الاقتصادي المتردي ، فالأمهات في كثير من الأحيان لا يعرفن ماذا وكيف يطعمن أطفالهن ، وفرق الموت تنشره فى كل مكان ولا تفرق بين طفل وشيخ وامرأة ، والقوات الأمريكية تظل تحاصر بعض أحياء بغداد لعدة أيام لا يستطيع أحد خلالها أن يخرج من بيته بحجة إلقاء القبض علي مسلحين ، وهم في الحقيقة يحاصرون نساءا وأطفالا وشيوخا وقلة من الشباب الذي يدافعون عن أنفسهم وعائلاتهم من عمليات التطهير المذهبي والعرقي التي يعيشها سكان بغداد ، لم نعرف الطائفية إلا بعد الاحتلال ، لم نعرف الخوف وعدم الأمن بهذا الشكل المرعب إلا بعد الاحتلال ، لم نعرف الجوع والعوز والفاقة إلا بعد الاحتلال ، لقد كنا نعيش حياة رغدة قبل ستة عشر عاما ، وكانت عملتنا تساوي أكثر من ثلاثة دولارات ، وكنا لا نعرف شيئا عن تلك الآلام التي نعيشها الآن والتي أنستنا كل نعيم عشناه .
ظلت المرأة تتحدث وأنا أنصت دون تعليق حتى أعلن المضيف الداخلي في مطار عمان عن النداء الأخير علي رحلتي المتجهة إلي الدوحة ، لم أستطع أن أقول لها أريد أن ألحق بطائرتي فقد كنت مختنقا من الدموع التي كانت تغالبني وخشيت أن أتكلم فأنفجر باكيا ، لكنها استدركت و قالت لي : أعرف أني قد أطلت عليك ولا أريد أن أؤخرك عن طائرتك ، ولكني أستحلفك بالله الذي جمعنا علي غير موعد أن تنقل تلك الصرخة .. صرخة أم عراقية إلي الأمة ربما تصادف صرختي لدي أحد نخوة المعتصم .
|
أختكم في الله أسيرة صمت العروبة ..بنت العراق ..دموع بغداد