|
إذا كنت ريحاً لاقيت إعصاراً |
|
|
|
21/09/2008 |
|
د. فيصل القاسم - الجزيرة توك
لا تكاد تمر بضعة أعوام إلا وتتعرض بعض الولايات الأمريكية إلى سلسلة من الأعاصير المدمرة التي تأتي على الحرث والنسل، فبالأمس القريب حوّل إعصار "كاترينا" الرهيب ولاية لويزيانا إلى مستنقع كبير، مشرداً عشرات الألوف من السكان. وكلنا شاهدنا أولئك المساكين وهم يتكدسون فوق بعضهم البعض في مجمعات في ظروف إنسانية بائسة، ناهيك عن أن الإعصار أودى بحياة ألوف الأشخاص.
وفي الآونة الأخيرة أعلنت السلطات الأميركية حالة الطوارئ بولايات ميسيسبي ولويزيانا وتكساس وآلاباما، خاصة بعدما أتى إعصار "غوستاف" ومن بعده "آيك" على الأخضر واليابس في أكثر من مدينة أمريكية كبرى. وقال مركز الإحصاء الأمريكي إن أكثر من 5ر11 مليون شخص ممن يقطنون على ساحل الخليج من فلوريدا وحتى جنوبي تكساس تتهددهم الأعاصير، مشيراً إلى أن الأخيرة يمكن أن تؤثر بين الحين والآخر على أكثر من 176 ألف كيلومتر مربع من السواحل الأمريكية..
هذا وتدفق آلاف الأشخاص نحو الداخل من ولايات ميسيسيبي ولويزيانا وآلاباما الأمريكية حيث كان الرئيس جورج بوش قد أعلن حالة الطوارئ ليفسح المجال أمام الحكومة الاتحادية لتنسيق جهود الإغاثة.
وقال حاكم لويزيانا لشبكة "سي أن أن" الإخبارية "من الممكن أن نرى في المستقبل فيضانات أسوأ مما شاهدناه خلال إعصار كاترينا".
لا يمكن للمرء وهو يشاهد الدمار العظيم الذي تلحقه الأعاصير العاتية بالولايات الأمريكية إلا أن يتضامن، ويتعاطف من أعماق أعماقه مع المنكوبين والمشردين الذين ذهبت منازلهم أدراج الرياح، وأصبحوا بين عشية وضحاها لاجئين بلا مأوى، أو تناثرت أشلاؤهم في عرض البحار.
ليت القيادة الأمريكية وهي تنظر إلى مأساة ضحايا الأعاصير الأمريكيين، تشعر بشعور ضحايا الهمجية الأمريكية في العراق وأفغانستان والصومال وفلسطين، ومن قبل في فيتنام وغيرها.
إن ما ألحقته الأعاصير بشعبكم يا سيادة الرئيس جورج بوش لهو عشر ما ألحقته آلتكم العسكرية البربرية بألوف الأفغان العزّل، فكما دمرت الفيضانات المنازل في بعض الولايات الأمريكية، وجرفت بعض أصحابها إلى عرض البحار والأنهار ليتحولوا طعاماً للحيتان والأسماك، فإن طائراتكم دمرت مئات البيوت فوق رؤوس سكانها في أفغانستان بشكل أكثر عشوائية من عشوائية الإعصار "غوستاف" أو "آيك". وعلى الأقل فإن فرق الإسعاف والإغاثة الأمريكية المشهود لها بمهارتها وتأهبها الرائع أنقذت وأغاثت العديد من المنكوبين في لويزيانا وآلاباما. أما ضحايا قصفكم العشوائي في أفغانستان فلا بواكي أو مغيثين لهم. ولم يتعد كرمكم مع بعض الضحايا الأفغان مبلغ مائتي دولار للرأس الواحد، وهو مبلغ لا تستطيع أن تبتاع به هذه الأيام خروفاً صغيراً.
ليت محنة المنكوبين في لويزيانا وتكساس والمسيسيبي تذكركم يا سيادة الرئيس بمحنة أكثر من أربعة ملايين لاجئ عراقي شردهم داخلياً وخارجياً غزوكم المغولي لبلاد الرافدين، وحرمهم من نعمة الاستقرار. ليتكم تتذكرون وأنتم تذرفون الدموع على القتلى الأمريكيين الذي قضوا بسبب الفيضانات والأعاصير، ليتكم تتذكرون أكثر من مليون عراقي انتقلوا إلى رحمة الله نتيجة احتلالكم للعراق وعـُثوّكم فيه خراباً ودماراً.
ليتكم يا سيادة الرئيس وأنتم تتفقدون أحوال رعيتكم المحاصرين بالفيضانات والرياح العاتية في الولايات المنكوبة، ليتكم تتذكرون أكثر من مليون محاصر في قطاع غزة الذي لا يجد شعبه حبة الدواء ولقمة الخبز بسبب الحصار الإسرائيلي الهمجي الذي تباركونه وتدعمونه.
ليتكم يا سيادة الرئيس وأنتم توزعون المعونات على المشردين الأمريكيين، ليتكم تتذكرون أكثر من مليون ونصف المليون صومالي من نساء وأطفال وشيوخ يتضورون جوعاً، ويموتون في البراري ميتة لا تليق بأدنى مخلوقات الله بسبب دعمكم ومباركتكم للغزو الأثيوبي لبلاد الصومال. فكلنا يعلم أن الذين حولوا حياة ملايين الصوماليين إلى جحيم لا يطاق يعملون تحت إمرتكم وبإيعاز وحماية دولية مباشرة منكم.
ليتكم يا سيادة الرئيس بوش وأنتم تشاهدون ألوف الأمريكيين يتدافعون في الشوارع مذعورين وهائجين هرباً من جحيم الأعاصير، ليتكم تتذكرون مئات الألوف من الفيتناميين الذين كانوا يندفعون في الشوارع مرعوبين من القنابل الانشطارية الأمريكية والعنصر البرتقالي الذي قتل، وشوّه أكثر من ثمانية ملايين فيتنامي لعقود وربما قرون قادمة.
لا نقول هذا الكلام شماتة بمنكوبيكم يا سيادة الرئيس. معاذ الله! فكلنا معرّضون للكوارث الطبيعية في هذا العالم. فقط نغتنم فرصة محنتكم لنواسيكم، ولنذكركم بالمحن غير الطبيعية التي سببتموها، وما زلتم تسببونها لنا، فصواريخكم وطائراتكم وقاذفاتكم وقنابلكم الرهيبة لا تقل فتكاً وإرهاباً ودماراً وخراباً عن غضب الطبيعة.
|
الأعداد التي تُذكر هي إعداد مبالغ فيها إلى حد كبير وعلى أي حال فإن غالبية الذين قُتلوا في العراق قُتلوا على يد أشخاص جاءوا من الدول المجاورة لفرض الرعب على العراقيين. عدم القدرة على تقبل تلك الحقيقة يندرج تحت نفس حالة الرفض الواضح لحقيقة أخرى وهي أنه بالرغم من العديد من الصعوبات في العراق فأن الوضع آخذ بالتحسن وبشكل كبير.
رفض قبول الثقافات والأديان الأخرى سوف يظل عائقا رئيسيا للسلام العالمي. ومع ذلك ، إن التصرف بشكل مسؤول والانضمام لجهود العالم في مواجهة الكوارث سوف يساعد في تحقيق عالم أفضل وأكثر أمنا. الإرهاب هو سبب القلق الأول الآن ولا يمكن للشعوب المتحضرة السماح له بأن يسود.
وفيما يتعلق بادعائك عن النفط في العراق ، اسمح لي أن أذكرك والقراء الأعزاء أن النظام السابق بدد عائدات النفط في الغزوات الفاشلة وتقديم الدعم لأساليب حياة منحلة لزعماء حزب البعث. هذه السياسات لم تكن لصالح الشعب العراقي. اليوم ، النفط العراقي هو ملك للشعب العراقي والحكومة العراقية تجني عشرات المليارات من الدولارات من مبيعات النفط التي ينبغي أن تساعد في وضع بنية تحتية أقوى للاقتصاد العراقي.
شعوب المنطقة يفهمون أكثر من أي وقت مضى أن تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى تكافح من أجل مصالحها الخاصة وأجندتها التكفيرية الضيقة الأفق وهي وللأسف الشديد تستخدم الشعوب كوقود في حرب وحشية. آخر هجوم في إسلام أباد، والذي كان قد تم توقيته في ساعة الإفطار في رمضان وهجوم صنعاء هما أمثلة حقيقية على وحشية هذه الإستراتيجية.
تكنولوجيا البلدان المتقدمة تُستخدم لخدمة البشرية في جميع مناحي الحياة كقهر الأمراض،وإيجاد الحلول لتلبية احتياجات العالم. هل فكرت كيف يمكن لك أن تساهم في ذلك بدلا من انتقاد التقدم؟
مع التحيات
سمير زيدان
فريق التواصل الالكتروني
وزارة الخارجية الأمريكية