|
11/09/2008 |
|
اختر ما شئت ..
محمد صالح كيالي ـ الجزيرة توك
عندما سألت سائقة حافلة المدرسة ولداً صغيراً عن اسمه. أجابها فورست. فورست غمب. طفل بدا غريباً بتقويم ضخم لقدميه، رفضه أغلب الطلاب في الحافلة إلا فتاة فسحت له مجالاً جانبها.
المشكلة التي يعاني منها فورست في قدميه (والتي سيعافى منها لاحقاً) جزء من مشكلة أكبر يعيشها. ماهي ؟ كثير من الناس يصفه على أنه غير بالنسبة للعلم! البعض يراه أبله. لكن فورست ألهم حياة الآلاف دون أن يشعر بهذا. كثير ممن يمتلك العقل والحكمة والتفكير لم يستطع أن يحقق أقل بكثير مما حققه، المال والنجاح والشهرة هي ما عرفه فورست غمب. تسلسل أحداث حياته متسارع لدرجة تثير التساؤل. ما سبب نجاحه يا ترى؟ ما الذي حققه فورست هذا أصلاً؟
ببساطة، حجز فورست لنفسه مكاناً في معظم أحداث النصف الثاني من القرن العشرين. فبدون أي محاولة علم "إلفس برسلي" كيفية الرقص وأصبح نجم كرة، قابل جون كنيدي وخدم بلده ببسالة في حرب فيتنام، قابل بعد هذا الرئيس ليندن جونسون وتحدث أمام تجمع مناهض للحرب حتى! استطاع هزيمة فريق الصين في كرة الطاولة وقابل الرئيس ريتشارد نكسون.
مالياً أصبح مليونيراً من تجارة الروبيان، ثم صاحب أسهم في شركة أبل للحواسيب!! حتى أنه قرر في أحد المرات أن يترك كل شيء ويبدأ بالجري بعد أن شعر بالوحدة! نعم، الجري. جرى فورست في أنحاء البلاد لأكثر من ثلاث سنوات، حتى هذا أكسب فورست شهرة لا مثيل لها!
صحيح. ما حصل مع فورست أمر مبالغ به ولا يمكن أن يتحقق أصلاً. لكن لندع ما حدث جانباً ونفكر في شخصية تدع ما يجري حولها يجري ببساطة، لا تتدخل في ما لا يعنيها أبداً وتهتم بمتابعة مهمتها. تصرف غمب هذا سببه علة في دماغه، لكن يبدو أنها مصدر نجاحه.
كثير منا يتعمّد رسم مخطط طويل لحياته يشمل أحلامه ومشاريعه للمستقبل. المبالغة في التفكير قد تمنع عدم تحقق أي منها. هل التفكير مفيد دائماً ؟ تسلسل الأحداث في حياة غمب يقول لا! علينا أن ندع الأحداث في بعض الأوقات تمر بدون أن نسأل كيف ولماذا؟ صحيح أم خاطئ. في أيام الحرب مثلاً أنقذ غمب قائد السرية من موت محتم بعد إصابة بليغه، لكن بُترت قدمي قائد السرية وعاش حياة كئيبة جداً بعد ذلك! أراد القائد أن يموت بشرف في ميدان المعركة ومنعه غمب من هذا! سألوم أنا غمب وغباءه طبعاً بعد هذا التصرف، لكن بعد فترة تغيرت حياة القائد وأصبح ينظر للحياة بشكل أعمق وأدق وشكر غمب بعد أن لامه فترة طويلة جداً. يبدو أني مخطئ! مفهوم شرف الموت في الميدان نسبي جداً ولا ينطبق على حالة القائد، ما قام به غمب أفضل بكثير، لقد وهب القائد حياة أفضل!

لم تكن حياة جيني ( الفتاة التي سمحت له بالجلوس) مثالية في الحقيقة، عنف أبوي وإدمان مخدرات وحياة مزرية. لم يأبه فورست لهذا وبقي يكن مشاعر حب جياش لها. تفكيره فيها لم يتوقف يوماً مع أنها لم تعطه نفس الاهتمام الذي صدر منه، لم يهتم فورست لهذا وبقي متعلقاً بها. تقدم لها مرة فرفضته !! تابع فورست حياته وبقي مهتماً بها لكن بصمت، استطاع يتزوجها في النهاية بعد أن تقدمت هي إليه. صحيح أنها كانت مصابة بالسرطان وماتت بعد فترة وجيزة، لكنه كان سعيداً. لقد تزوجته جيني أخيراً.
من الصعب أن تكون مجريات حياتنا مشابهة لفورست بالمعنى الحرفي، لكن عندما يأتي الأمر لمبالغة التفكير في مجريات الحياة وأساليب تحقيق النجاح. نجد أن فورست صاحب مستوى الـ IQ (الذكاء) المنخفض جداً هو أستاذ لنا، يبدو أنه من الصعب تعريف الغباء بيولوجياً، سيبقى مقياس الغباء في النهاية هو القيام به أصلاً.
الفيلم في IMDB
|