|
رسائل منسية من أولمبياد بكين |
|
|
|
30/08/2008 |
خالد المحمود - الجزيرة توك
الآن، وبعد أن انفض السامر الرياضي العالمي، أزعم أن من الواجب أن نتلقى بعض الرسائل التي وصلتنا من بكين. فرغم أن الحدث الأولمبي رياضيٌ بامتياز، فإن من السذاجة الظن أنه يقتصر على الرياضة وحدها.
هناك عنوانان رئيسان لتلك الرسائل. الأول متعلق بالتحول الذي شهدته الرياضة في العالم، وما استصحب ذلك من تحول في منظومة القيم المصاحبة لها. والثاني يخص الوضع العربي في الأولمبياد. ظلت الرياضة لفترة طويلة من الزمن كلمة تحوي معان سامية مرتبطة بالعزيمة والتفوق على الذات والتنافس الشريف والروح التي تتقبل الفوز والخسارة بنفس راضية، ولذلك سُميت بـ(الروح الرياضية)..
لولا أن التحولات الفكرية في الغرب وارتفاع معدلات العلمانية الشاملة أديا إلى تزايد فصل القيم الفاضلة عن كل نشاط إنساني تمارسه تلك الحضارة، بدءاً بسياسة الدولة وانتهاء بأدق تفاصيل حياة الأفراد الخاصة.
فكّ الارتباط الذي نتحدث عنه بين القيمة والإنسان شمل الأحداث الرياضية وأثر فيها. فأمست منظومة القيم التي تعبر عن الرياضة منفصلة عن الرياضة نفسها.
أولمبياد بكين لم يكن أول من شهد ذلك التحول القيمي، لكنه يبدو الأبرز.
غول المنشطات، التي ثبت تناولها في عدة حالات، كان أوضح تجليات ذلك التحول. فالدول والرياضيون على حد سواء باتوا حريصين على الفوز ولا شيء غير الفوز، مهما كانت الوسيلة. وإذا استدعى أمر تحويل الرياضي إلى رياضي فوق العادة (Super Athlete) للوصول إلى منصة التتويج فإن تناول المنشطات يغدو مقبولاً. أليست (الغاية تبرر الوسيلة) إحدى قيم وشعارات المنظومة العلمانية؟
ولذلك فقد شيدت صناعة ٌ بأسرها لإنتاج مختلف أنواع المنشطات لتقوية المتبارين أولاً، ومن ثم لإخفاء آثار تلك العقاقير من أجسادهم عند الفحص. وهو ما دفع اللجنة المنظمة لإنشاء أكبر مركز لمكافحة للمنشطات في تاريخ الأولمبياد، حيث قام بأكثر من أربعة آلاف عملية عشوائية للكشف عن مستخدميها.
إضافة إلى ذلك، فقد رأينا الروح الرياضية تتهاوى بشكل ملفت. فهناك لاعب التايكوندو الكوبي الذي اعتدى على حكم المباراة لأنه لم يرض عن إيقافها لأسباب طبية بعدما كان متفوقاً على خصمه، مما حرمه من الميدالية الذهبية. وشبيه بذلك ما فعله لاعب المصارعة الرومانية السويدي عندما ألقى ميدالته البرونزية أرضاً. ذلك أنه عمل جاهداً للحصول على الميدالية الذهبية، بعدما نال الفضية في الأولمبياد السابق في أثينا. ولذلك فإنه اعتبر المركز الثالث (فشلاً ذريعاً)!
يزيد على ذلك ما يجري في مسابقات الألعاب النسائية. إذ غدا واضحاً أن الأمر لدى الجنس الناعم (وبعضهن يُوصَفنَ بذلك خلافاً للواقع!) لم يعد يقتصر على الرياضة. فقد أصبحت بطلات المسابقات المختلفة تتنافسن على عرض أكبر قدر ممكن من أجسادهن أمام الجمهور لشد انتباهه للمسابقات النسائية في ألعاب القوى وكرة الطائرة الشاطئية وغيرها من الألعاب. وبات واضحاً حتى لدى الغربيين أنفسهم أن ملابس المسابقات النسائية المختلفة تزداد ضيقاً وتقل مساحة يوماً بعد يوم. وهو ما يجعل من هذا الأولمبياد (بيكينياً) بامتياز!
والأمر لم يقتصر على ميادين المنافسة الرياضية، إذ إن عدداً من اللاعبات لم يترددن في التقاط صورهن عرايا لبعض المجلات الإباحية. وقد علـّقت إحدى الباحثات الغربيات على أن لاعبات الرياضة يستخدمن جاذبيتهن الجنسية لزيادة متابعي رياضاتهن من الجمهور (وأغلبه من الذكور) ليتمكنّ من الحصول على المزيد من الدعم المالي للاستمرار في اللعب.
كل هذا يشير إلى أن الرياضة بما كانت تحمله من قيم في حد ذاتها تراجعت أمام قيم النجاح المطلق والكسب المادي وما يؤدي إليه من ثروة مالية والحصول على شهرة إعلامية يمكن استثمارها مادياً. وهذا بالضبط ما جرى مع السباح الأمريكي مايكل فيلبس الحاصل على ثمان ذهبيات في الأولمبياد، حيث قال مدير أعماله إن لديه عقوداً إعلانية بقيمة مئة مليون دولار أمريكي.
يدعونا هذا لتذكر أيام كانت الروح الرياضية غالبة على منصة التتويج. وكان أحد أرفع تلك الأمثلة ما فعله بطل الجودو المصري المسلم محمد رشوان في أولمبياد لوس أنجلوس (1984) عندما تبارى مع بطل العالم ثلاث مرات الياباني ياماشيتا، والذي أصيب في ركبته قبل المباراة النهائية. الجميع توقع أن يستغل رشوان تلك الإصابة لنيل البطولة، لكنه تعمد الخسارة وحصل على الفضية. رشوان قال بعدها للجميع إن دينه لا يسمح له إلا بالخلق الحسن! وهو ما دفع منظمة اليونسكو واللجنة الأولمبية الدولية لتقليده وسام أفضل خلق رياضي في العالم وجائزة اللعب النظيف. ناهيك عن تكريم الشعب الياباني له عندما استقبله استقبال الأبطال في طوكيو، بعدما ضحى بمصلحته الخاصة للحفاظ على سمعة بطلهم العالمي.
محمد رشوان
* * *
حكاية العرب مع الأولمبياد، وعموم المنافسات الرياضية، تحوي مضموناً مختلفاً. لكنه، وللأسف، ليس أفضل حالاً!
من نافلة القول إن الرياضة لم تعد مجرد منافسة بين المتبارين في ميادين المسابقات المختلفة. فالفعاليات الرياضية الآن تعبّر عن مستوى تقدم الأمم وقوتها. وهي إحدى تجليات القوة في مضمار التنافس الحضاري بين الشعوب.
وكان الواضح في بكين أن العرب في الأولمبياد هم تماماً كالعرب خارجه!
بداية، فإن المستوى الفني للاعبي مختلف المسابقات في انحدار متواصل. سيقول البعض إننا خرجنا مجتمعين بسبع ميداليات: ذهبيتين وفضيتين وثلاث برونزيات (قارن ذلك مع كينيا التي حققت وحدها 13 ميدالية منها أربع ذهبيات!)، فإن السؤال هو: هل كان هذا أفضل ما لدينا؟
كان واضحاً في منافسات عدة أن لاعبينا – فرقاً وأفراداً – لا يحسنون التعامل مع الربع ساعة الأخير من المباريات. ولك أن تعود إلى نتائج المنتخب المصري لكرة اليد (بطل أفريقيا) أو نتائج الرماة العرب (حضرنا وفي حصيلتنا ذهبية من أولمبياد أثينا الماضي). ففي الحالتين قدمت الفرق نتائج إيجابية في بداية المسابقات، ولكنها مع تزايد وتيرة المنافسة وتصاعد قوة الخصوم بدت عاجزة عن التركيز للحفاظ على ما أنجزته من تقدم وغير قادرة على التعاطي مع الضغط النفسي في سبيل الوصول إلى القمة.
ولعل هذا يشير إلى أن ثمة جانب غير المهارة الرياضية، متعلق أكثر بالبناء النفسي للاعبين والفرق على حد سواء، هو ما نحتاجه لنتمكن من المنافسة. فالقوة النفسية والقيم التي تحرك سلوك الإنسان هما لبنتان أساسيتان لتمكينه من تحقيق أهدافه. وفي حالتنا، يبدو أن قيماً مثل الثقة العالية في النفس، والقدرة على مواجهة الآخرين، والتعامل مع بقية الخصوم بندية لم تكن حاضرة لدى ممثلينا في الأولمبياد. ولذلك فإنك تجدنا كثيراً ما نكتفي بالمنافسة، بل ونعتبرها إنجازاً في حد ذاتها.
كما أن هناك قدراً كبيراً من المسؤولية في تحمّل النتائج السلبية بدا غائباً لدى الغالبية الساحقة. وفي اللقاءات الإعلامية بعد خسارتنا أي منافسة، تجد اللاعبين يقولون إنهم (لم يوفقوا!) وكأن الأمر متعلق بالتوفيق الإلهي وحده، دون أدنى علاقة بجاهزية أولئك اللاعبين وقدرتهم على المنافسة. بل إن أطرف ما سمعت، تعليق أحد اللاعبين على حكم المباراة الذي ينتمي إلى جنسية عربية أخرى. حيث احتج ذلك اللاعب على قرارات الحكم، وقال (نحن العرب مع بعضنا يهود)، للتدليل على أنه خرج بقرار جائر – وربما عنصري – من الحكم لا بسبب خسارته الطبيعية!
* * *
التغطية الإعلامية العربية لم تكن أفضل حالاً.
ورغم أن العدد والمعدات كانا الأكبر في تاريخ الألعاب الأولمبية، فإننا وجدنا الإنجاز الإعلامي في درجة تقارب الإنجاز الرياضي.
ظهر ذلك جلياً في المعرفة المتواضعة لعدد كبير المعلقين على المنافسات الرياضية والصحفيين الذين يغطون الحدث لما يجري أمامهم. فكنت أسمع الكثير من المعلومات الخاطئة التي تعطى للمشاهدين دون رقيب أو حسيب، وذلك رغم أن لدى كل القنوات محللين رياضين يمكن الرجوع إليهم للتحقق من صحة ما يقال (مع استثناء لقناة الجزيرة الرياضية التي أحسنت فعلاً بجلب بعض حكام المسابقات للمشاركة في التعليق على المنافسات). ناهيك عن التقارير التلفزيونية، التي يختمها المراسلون بإعادة نفس الكلام الذي ورد في خبر المقدمة مثل انتصار فريق على آخر، وكأن الأمر متعلق بإثبات الوجود الإعلامي في بكين بالصوت والصورة أكثر من تقديم مستوى مهني يناسب مستوى الحدث الرياضي.
* * *
خلاصة تلك الرسائل هي التالي:
- ان القيمة الرياضية سجلت تراجعاً كبيراً أمام المكاسب المادية المتوقعة من المنافسة. وهذا الأمر لم يقتصر على الرياضيين والدول كما ذكرنا آنفاً، بل انسحب على اللجنة الأولمبية الدولية نفسها. حيث لم تتورع عن منح حقوق الرعاية الرسمية في المأكل والمشرب لشركتي مكدونالدز وكوكا كولا باعتبارهما قدما أكبر العروض المادية لنيل تلك الحقوق. هذا الاختيار يلاقي منذ سنوات معارضة الكثير من المؤسسات المعنية بالصحة الغذائية، باعتبار أن الشركتين تقدمان طعاماً غير مغذي بل وغير صحي أحياناً. ولكن ذلك لم يدفع اللجنة إلى حتى مراجعة القرار ناهيك عن سحبه. وهو ما وفر لمكدونالدز وضعاً استغلت فيه تلك الحقوق الحصرية لتجعل أحد شعراتها أنها توفر للجميع (غذاء الأبطال)! وإذا تراجعت القيمة السامية أمام الربح الشخصي، فأيّ شيء سيبقى من روح الرياضة في المنافسات الرياضية؟
- أن التجنيس الذي لجأت إليه بعض دول الخليج العربي ليس حلاً. وأن العناصر الناقصة في معادلة الفوز يمكن معالجتها بالبحث فيما وراء القدرة الرياضية لا وراء الحدود الجغرافية.
- أن هناك حاجة ماسة للشفافية في الخطاب الرياضي العربي. ورغم أن ذلك لن يتحقق منعزلاً عن شفافية مماثلة في الخطاب السياسي، فإن القدر المتيقن هو أننا بحاجة لإيقاف إطلاق الوعود والأمنيات قبل كل منافسة رياضية، بينما نعرف يقيناً حجم قدرتنا على المنافسة. وهذا ما سيؤدي إلى شجاعة أكبر في تحملنا مسؤولية الخسارة عوضاً عن الاعتذار وإلقاء اللوم على الحظ العاثر.
- أن الرياضة باتت حالة حضارية تتجلى في الملاعب الرياضية. وأننا لن نستطيع الوصول إلى منصات التتويج، بينما تقبع دولنا نفسها في ذيل الترتيب الحضاري. فالنهضة الرياضية المأمولة تبدأ أولاً في نهضة المجتمع وليس العكس.
ألا هل من مجيب؟!
|
كنت اتفرج انا وأختي فقلت لها : شفتي كيف يعملوا ليصنعوا الابطال؟
ردت على : نحن أيضا عندنا هذا.
والله تعجبت، قلت لها : كيف؟
قالت لي : نحن أيضا عندنا في العالم العربي مسابقات لكل الفئات العمرية على كل القنوات في الرقص.. والغناء.. بالتدرج عبر المسابقات الجهوية والوطنية بل وحتى العربية.. وهكذا يصنعوا لنا الابطال في مجالات اختصاصنا.
والله نكتة. احد الحكام العرب سمع هذا الكلام فاقترح على اللجنة الاولمبية اضافة مسابقة الرقص وهز البطن في الالعاب الاولمبية وراهن ان بلده لن ترجع بعد اليوم بدون ميداليات (ذهبية)