|
ما لم نعقِلهُ من السُنّة ! |
|
|
|
15/08/2008 |
خالد المحمود - الجزيرة توك
أن يحتجّ البعض على انتقادي حركة المقاومة الإسلامية في مقالة (حماس والحديبية.. محاولة للفهم) لا يعدو أن يكون حقهم في التعبير عن آراء مخالفة. أما أن يصفني أحدهم بـ(المنافق) لأني قلت إن سيدنا عمر بن الخطاب تزعم معارضة المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فهذه مسألة تحتاج إلى مراجعةٍ لأسبابها. واحدة من أعظم أسباب اللبس في فهم السنة النبوية وما ينبني عليها من اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، هي عجزنا عن التفريق بين محمد بن عبد الله النبي المرسل من رب العالمين، وبين محمد بن عبد الله الإنسان والذي حمل مع كل صفات العظمة والسمو صفة الإنسانية، بما تحويه من إمكانية السهو (كما في الصلاة) والخطأ (كما في قصة تأبير النخيل) وكلتا المسألتين ليستا من مسائل الدين والوحي، فضلاً عن حرية الاختيار بين البدائل المختلفة..
وهذا ما أفاض في شرحه الإمام ابن القيم، رحمه الله، في كتاب (إعلامُ المُوَقعين عن ربّ العالمين).
ولقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم عن نفسه {إنـّما أنا بَشَر}. وكثيراً ما نزل الوحي يصحح اختيارات النبي صلى الله عليه وسلم ويوجهه إلى التشريع الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، كما في قصة زواج مولاه زيد بن حارثة لزينب بنت جحش رضي الله عنهما، وزواج النبي صلى الله عليه وسلم بها بعدها.
أما معارضات سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، فهي أكثر من تورد في مقال واحد. إذ تذكر لنا السنة النبوية مواقف كثيرة، سجل القرآن الكريم بعضها، كما في موقفهما من أسرى بدر، وهو ما أدى إلى العتاب الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم على الأخذ باللين في موقف يستلزم الشدة.
بيد أن ما ينبغي إدراكه أن هذه المعارضات كانت موجهة لقائد دولة يتعين عليه الاختيار بين بدائل شتى، لا للنبي المرسل. وقد علم سيدنا عمر بن الخطاب أنه حين عارض النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يعطي رأيه كمستشار مخلص، وإن غلبته الحماسة أحياناً لتحكيم ما يراه الحق.
يتجلى ذلك في معارضته صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة كبير المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول. إذ كان يشدّ النبي صلى الله عليه وسلم من ثوبه وهو يحاول إقناعه بقول الله تعالى {إنْ تسْتغفِرْ لهُمْ سَبعِينَ مَرّةً فلنْ يَغفِرَ اللهُ لهُمْ}، وهو ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيستغفر له أكثر من ذلك. ولم يفعل سيدنا عمر ذلك إلا لمعرفته بأنه كان أمام إنسان ينضح قلبه رحمة حتى مع أعدى أعدائه. ورغم أن القرآن الكريم أيد رأي سيدنا عمر لاحقا بقوله سبحانه {ولا تـُصَلّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ماتَ أبَداً} فإنه بقي يذكر الحادثة ويتأسف على اجترائه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن شدّه من ثوبه، وذلك رغم تأييد القرآن الكريم لرأيه!
سيدنا عمر لم يكن منفرداً، وإن كان الأبرز يقيناً.
تروي لنا السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار موقعاً في غزوة بدر يخيم فيه المسلمون انتظاراً لجيش الكفار. حين رأى سيدنا الحباب بن المنذر الموقع أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله إن كان (منزلاً أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟) فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر اجتهاد منه، لم يزد أن قال (فإن هذا ليس بمنزل!) مشيراً على النبي أن يتحول إلى آبار الماء فنشرب ونمنع العدو منها. وهي النصيحة التي رأي فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم (بصفته قائداً عسكرياً لا نبياً مرسلاً) رأياً واجب الاتباع للانتصار على العدو.
هذا الموقف يختلف عما جرى بين سيدنا عمر بن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية. إذ إن سيدنا عمر غلب على ظنه آنذاك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد تحسين شروط الصلح باعتباره قائد الدولة، ولذلك تساءل (علامَ نعطِ الدنية في ديننا؟). وعندها قال له النبي صلى الله عليه وسلم {إنّيْ رَسُولُ اللهِ ولنْ أعصِيه}، ليبين له أن الأمر وحيٌ منزل وليس اجتهاد مفاوض سياسي.
الذي يعنينا هنا أن الصحابة كانت لهم آراء تخالف رأي النبي صلى الله عليه وسلم، ما داموا يرون أنه يجتهد الرأي باعتباره إنساناً مسؤولاً عن شؤون خارجة عن أمر الرسالة والوحي. ولم يكن ذلك الأمرُ بالمستغرب أو المستهجن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ربّى صحابته على أن يكونوا أصحاب شخصيات مستقلة، ولم يرد منهم أن يكونوا أتباعاً له إلا في حالة نزول الوحي وانقطاع الحجة. أما في سائر الأمور الأخرى، فإنه أقر مبدأ الشورى، بل ونزل عندها حتى لو لم ير فيها الخيار الأمثل، مثلما نزل على رأي شباب الصحابة في الخروج من المدينة لملاقاة المشركين في غزوة أحد وهو كارهٌ – شخصياً – له. وقد روي عنه أنه قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: {لو اجْتمَعتـُما على مَشُورَةٍ ما خالفتـُكـُما}.
والأمر لم يكن قاصراً على كبار الصحابة. فحتى الأمَة التي تركت سيدها بعدما اعتقت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يراجعها للبقاء معه، سألته: (أتأمرني؟) فقال: {لا، إنّمَا أنا شافِع} فأجابت: (فلا حاجة لي فيه) لِعِلمِها أنها غير ملزمة بشفاعة أحد فيمن لا تحب، حتى لو كانت شفاعة نبي مرسل!
إدراكنا لهذه الحقيقة يقودنا إلى أنّ ليس كل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وحياً منزلاً أو أمراً قاطعاً. إذ كان فيه الكثير من الاجتهادات الشخصية التي يمكن مراجعتها، كما فعل الصحابة الكرام. وإنّ اختيارانا أمراً فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حياته الشخصية، لا يعدو كونه تأسياً بشخصه العظيم، وليس اتباعاً لسنته المطهرة. لأنه كان إنساناً عظيماً، إضافة إلى كونه نبياً مرسلاً.
بل لعل كمال رسالته يكمن في كونه إنساناً. وهذا ما قاله رب محمد صلى الله عليه وسلم: {قـُلْ: سُبْحَانَ رَبّيْ، هَلْ كـُنتُ إلا بَشـَراً... رَسُولاً؟!} صدق الله العظيم
|
في تعليقي أظنني سأكون مائلا إلى الرأي الذي ينتقدك، لكن لا تعتبر ذلك تعصبا مني ضدك، لكنه الرأي.. فإن وُفـِّـقـْتُ فمن الله عز وجل وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.
لا شك أن لك الحق في ما قلته وأنت مصيب في كثير منه، لكن ما أثارني هو إصرارك على الدفاع على موقف لا يختلف معك فيه أحد، وهذا الموقف يمكن أن ألخصه في نقطتين كانتا محوري فكرتك :
- الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
- وعصمة النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني : أيكون الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأمور كلها أو فقط في بعضها؟ وهل عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقة؟
لو رجعت إلى قول العلماء فيهما لكفـَوك ولوجدت أنك لا تختلف معهم في كثير من النقط. وللتلخيص، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم : "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذََكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" هذه دعوة صريحة إلى الاقتداء والتأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أنك تعرفها.
ويقول أيضا : "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الـْهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى" وهذه ايضا في عصمة نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وهي تتحدث عن العصمة خاصة في أمور الدين.
أما في أمور الدنيا من زراعة وحرب وغيرهما فلو أوتي الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم العصمة فيها لجُـمِّـدَ مبدأ الشورى والاجتهاد في حياته ولمَا كان لأصحابه رضي الله عنهم أن يقولوا له في كل مرة يعزم فيها أمرا : "يا رسول الله، أهو الوحي أم المشورة؟" وحتى عندما كان رأي الصحابة يختلف عن رأيه، يكون الأمر اختلافا لا خلافا، فالاختلاف محمود والخلاف مذموم، والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يعلمون هذا الأمر، لكن لم يكن يخطر ببال أحدهم أن يقول : رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معصوما في أمور الدنيا !!!
لكن هنا أتساءل : لماذا تتطرق إلى هذا الموضوع المحسوم أصلا في شرعنا وعند علمائنا؟
وحتى لو أخذنا أمور الدنيا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمتع بصفات الرجولة وسمو الرأي والحكمة في القول والعمل حتى قبل بعثته، وما كانت أمنا خديجة رضي الله عنها لتتزوجه لولا ذلك، وهو الذي كان معروفا بالصادق الأمين، وهو الذي حُكـِّـمَ في وضع الحجر الأسود حين اختلف حوله القوم وقـُـبـِـلَ حكمه من الجميع، ألا يدل هذا على حكمته وإلمامه بأمور الدنيا حتى قبل بعثته؟ وهنا وصفت ُ الأمر بالحكمة والإلمام ولم أقل العصمة.. فما بالك به صلى الله عليه وسلم بعد بعثته؟؟
بالرجوع إلى أصل فكرتك وهي المقارنة بين هدنة حماس وصلح الحديبية فهنا أتفق مع كل الذين اختلفوا معك في هذه النقطة، لأن الفكرة الرئيسية التي بنيت حولها مقالك هي مدة عشر سنوات، وهذا اجتهاد منك وهو في رأيي اجتهاد خاطئ، لأن حماس أصلا تقول إن هذه المدة قد تتغير حسب الوقائع الأرضية، إذن فهي لم تبن ِ هذه المدة للاقتداء والاستنان برسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية.
انتقادك لحركة حماس أتى من منطلق سياسي، وهنا كلمة سياسي بمفهومها الحالي وليس بمفهومها الحقيقي أو الإسلامي، فأنت تلاحظ اليوم حتى بين السياسيين أنفسهم يتهمون بعضهم البعض أن الحركة أو القرار التي قام بها أو اتخذه البعض كان سياسيا ولم يستند إلى حقائق ثابتة أو ... مع كل ما يمكن أن يعنيه هذا من أن السياسة في المفهوم الحالى للكلمة هي مرادف لكل ما هو نفاق ودناءة وزد ما شئت من المصطلحات الموازية.
وعندما تذكر عمر رضي الله عنه وتقول عنه إنه تزعم المعارضة للرسول صلى الله عليه وسلم فأنت كما العادة تحدثت عن الموضوع بلسان السياسة الحالية، فالأمر في هذه المواقف كان اختلافا كما قلت سابقا لا خلافا كما هو حال السياسة اليوم. فالمشكلة عندك كانت إذا ً لسبب رئيسي هو المقام والمقال، أي أن مقالك لم يحترم المقام وهو مقام سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم، وعبرت بلسان اليوم عن خير القرون قرن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولأختم، إذا كان جائزا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطئ في أمور الدنيا، ألا يحتمل رأيك أنت الخطأ؟ وبخاصة ألا يحتمل الخطأ في نظرتك لحماس وفي موضوعك الحالي؟