|
"عام انتقالي".. ودعه الشناقطة بمشاعر مختلطة
محمد عبد الرحمن الدين –الجزيرة توك - نواكشوط
ودع الموريتانيون عام 2006 بمشاعر مختلطة تقاطعت فيها ألوان الفرح والحزن وظلال الأمل والألم وامتزجت فيها الأحداث الوطنية بالهموم القومية، في بلاد تنعدم فيها الحدود والحواجز، أو تكاد، بين ما هو محلي وما هو عربي وإسلامي.
مسار سياسي متسارع
كان 2006 عاما "انتقاليا" في حياة الموريتانيين كما هو حال "مجلسهم العسكري" الحاكم. وقد اعتبره الكثير منهم محطة فاصلة في تاريخ البلاد الحديث حيث تسارعت خلاله الأحداث الممهدة لانتقال الدولة إلى الحياة الديمقراطية التعددية، وعمت أجواء الحرية والانفتاح، واستعادت البلاد جزءا من مكانتها الدولية وعلاقاتها الطبيعية مع محيطها العربي والإفريقي، كما شهدت استفتاء على دستور يضمن التداول السلمي للسلطة ويحرم رئيس الجمهورية من البقاء في القصر الرمادي (مقر الرئاسة الموريتانية) لأكثر من فترتين انتخابيتين، إضافة إلى إجراء انتخابات نيابية وبلدية كان هناك شبه إجماع من قبل الساسة المحليين والمراقبين الأجانب على اعتبارها اكبر نقلة نوعية في مسيرة البلاد منذ استقلالها.
حقل شنقيط ومؤشرات اقتصادية واعدة
شهدت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية انفراجا نسبيا خلال العام 2006، حيث دخلت موريتانيا نادي الدول المصدرة للبترول وبدأت ضخ وتصدير نفطها الخام من أول حقولها النفطية الذي يحمل اسمها التاريخي (حقل شنقيط) بمعدل تراوح بين 40 و75 ألف برميل يوميا. كما شهد العام مراجعة لاتفاقيات تقاسم الانتاج النفطي مع الشركات العالمية بما يضمن مصلحة موريتانيا. وانعكس ما اعتبرته الحكومة تحسنا للتسيير المالي في شكل زيادتين متتاليتين لأجور موظفي القطاع العام من مدنيين وعسكريين، بلغ اجماليهما 100%.
استعادت بلاد شنقيط في عامها المنصرم جزءا من ألقها الثقافي والحضاري الذي كادت تغيبه السنوات العجاف الخالية، فنظمت "معرضا عالميا لسلعتها الأكثر رواجا"، تمثل في مهرجان نواكشوط الدولي للشعر الذي شارك فيه عشرات الشعراء والكتاب والأدباء من القارات الخمس وتناول من بين موضوعات اخرى كيفية إسهام الشعر والشعراء في تشجيع التقارب بين الشعوب والحضارات.
تفاعل لافت مع هموم الأمة
لم تكن تلك الأحداث المحلية التي شهدتها موريتانيا طيلة 2006 وما صاحبها من جدل داخلي متصاعد بشأن المسار الانتقالي في البلاد ونقاشات تفصيلية لقضايا وملفات لصيقة بحياة الموريتانيين اليومية ومستقبلهم لتغيِّب عنهم تفاصيل تطورات كبيرة عاشتها الأمة خلال العام. فالحرب الاسرائيلية على لبنان اعتبرها الموريتانيون انها حطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي "الذي لا يقهر" وأظهرت استكانة حكام العرب وهامشيتهم وعجزهم أكثر من أي وقت مضى. كما عايش الموريتانيون أحداث العراق الشقيق ومعاناة شعبه تحت وطأة الاحتلال الأمريكي وأعوانه، وهي المعاناة التي اعتبر الكثيرون أنها بلغت ذروتها فجر اليوم الأخير من العام الماضي، "عندما اقتيد الرئيس العراقي السابق وحسبما قال أحد الكتاب هنا -" ثابت الخطى شامخ الرأس إلى المشنقة ليدفع حياته ثمنا لصموده ولاستمرار مقاومة شعبه ضد الاحتلال الأمريكي، ومحاولات الهيمنة وأطماع التوسع الآتية من الشرق". وقد أوقع ذلك المشهد المؤثر صبيحة يوم عيد الأضحى المبارك صدمة كبرى في أوساط الموريتانيين على اختلاف مشاربهم الفكرية، وكان استنكاره وإدانته ربما محل اتفاق بين نخبهم السياسية وخاصة بين القوميين والإسلاميين الذين يمثلون اكبر تيارين سياسيين في البلاد..
وفي ظل صمت مطبق للحكومة الموريتانية حول تلك الحادثة، اتخذت الأحزاب وهيئات المجتمع المدني وعامة المواطنين زمام المبادرة، وعبروا، كل حسب طريقته عن مشاعر الألم والحزن العميق على من سماه بعضهم "فقيد الأمة"، وكذلك عن "الفخر والاعتزاز بصمود الرجل وشجاعته والمثل الرائع الذي قدمه في التضحية والصبر والشهامة" حسب تعبير آخرين. فقد أقيمت صلاة الغائب على صدام حسين في عدد من المساجد الموريتانية، تجدر الإشارة إلى أن تلك المواقف المتضامنة مع الرئيس العراقي الراحل، لاتعني تجاهل جمهور المثقفين وعامة الناس هنا لبعض المآخذ والأخطاء التي ارتكبها الرجل.
لا مكان للتعصب الطائفي
لكن ما يلفت انتباه كل من يتتبع نبض الشارع الموريتاني وردود أفعاله تجاه الإحداث والتطورات المتلاحقة في المشرق، يرى أنه وعلى الرغم من أن جميع الموريتانيين من السنة ويتبعون المذهب المالكي كما هو الحال في غالبية دول المغرب العربي، فإن الشناقطة معروفون بمحبتهم لآل النبي صلى الله عليه وسلم وللإمام علي كرم الله وجهه، إلى حد أن هناك من يتهمهم بالتشيع على هذا الأساس.
ومن مظاهر بعد الموريتانيين عن ما تثيره الاحداث الاخيرة في المشرق من شروخ مذهبية او طائفية، اتفاق قطاع عريض من شارعهم السياسي وقاعدتهم الشعبية على اعتبار السيد حسن نصر الله والرئيس الراحل صدام حسين – رغم اختلافهما المذهبي والفكري- أهم شخصيتين عربيتين خلال عام 2006.
ترقب لمفاجآت عام "الرئاسيات "
يتطلع الموريتانيون في اقصى قطر مغربي، مع مطلع العام 2007، لمعرفة رئيسهم الجديد الذي بدأت الشكوك والمخاوف تتصاعد بشان ظروف وملابسات انتخابه قبل 3 أشهر من الموعد المحدد لذلك في مارس المقبل، وسط إشاعات مستمرة عن تدخل السلطة في العملية السياسية واتهامات متزايدة لها بالانحياز إلى مرشح معين على حساب آخرين، مما وضع علامات استفهام كثيرة امام جدية الالتزامات والوعود التي قطعها قادة المجلس العسكري وحكومته على أنفسهم غداة انقلاب الثالث اغسطس 2005، واعاد مستقبل الديمقراطية الموريتانية الوليدة مرة أخرى الى دائرة التكهنات والتنبؤات. ويبقى التساؤل الأكثر إلحاحا في أذهان الموريتانيين خلال العام الجديد هو: من يا ترى يكون الساكن الجديد للقصر الرمادي في نواكشوط؟؟.
|