|
منى إبراهيم - الجزيرة توك - بغداد
استاذي الفاضل.. أتذكر لا أنسى وقفتك الجليلة وأنت تلقي محاضراتك في الأدب الجاهلي في كلية الآداب / جامعة بغداد ، ونبرة صوتك المتأنية الواثقة وأنت تمَتع وتتمتع في آن بتناول بعض القصائد الجاهلية شارحا معانيها المستعجمة علينا نحن طلاب العصر الحالي ، ومفسراً أبعادها النفسية والاجتماعية وأنت بين الوقت والآخر تنظر في وجوه طلبتك لعلك تلقى صدى تبتغيه يقارب ولا يشابه ذاك الذي تثيره في دواخلك من فهم العالِـم وتلقي العارف وقدرة فذة على تلمُّس موضع الإبداع والجمالية الفنية المدهشة لهذا التراث الثقافي الثري وأنت تلح إلحاح العطوف على حفظ بعض هذه النصوص ..
وقع خبر وفاة استاذي الدكتورعادل جاسم البياتي كان شديداً جداً، لا أقول على محبيه فحسب، بل على كل من بلغه نبأ وفاته .
فالحمد لله على كل حال، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون ..
توفي الدكتور البياتي والأمة تعرفه فقيهاً دائما ًلان الله جعل على لسانه وبيانه من الحلاوة البريئة ما يجذب إليه القلوب قبل الآذان.. كونه أغزر الناس علماً، وأوفرهم عطاءً.
الأستاذ البياتي رحمه الله استحق لقب «أستاذ» لأنه أستاذ بحق في التعليم والتعامل والفهم للحياة، وكان مدرسة تخرج منها عدد ممن تقلدوا مناصب رفيعة في الدولة، ولذلك فقد ظل يحمل لقب «الأستاذ» ويشار إليه بهذا اللقب مستحقاً له بلا منازع!
الاوساط الاكاديمية والادبية والثقافية العراقية والعربية فقدته استاذا واديبا ومربيا وروائيا وناقدا وباحثا وقاصا، بعد ان اخترمه الموت في اليوم الثالث من ايام عيد الاضحى المبارك عام 1427 .
منذ كان طالبا في الثانوية الشرقية بالعراق أوائل الخمسينيات من القرن الماضي –علم من أعلام العراق والوطن العربي .. كاتب وباحث وناقد وقصصي وروائي وأستاذ جامعي ، لا توجد اية في القران الا ويفسرها ويحفظها ويستشهد بها في كلامه ،، ومعلم يتقن فن إيصال الفكرة إلى الطالب والمتلقي ، يحفظ دواوين عديدة من الشعر ويلقي ابياتا فورية من الشعر في كل مقال ومناسبة ،،
تربت على يديه أجيال وأجيال ، وأدعو الله أن يرحمه برحمته الواسعة فالفقيد عرف بالنشاط والحيوية .. ولم يألوا جهدا في أن يبث في روح طلابه ، الأمل والتفاؤل .. انه مثال للأستاذ الجامعي الذي لم يكن يحيط نفسه بهالة ، ويجلس بعيدا عن تلاميذه ومجتمعه .. تعلمت منه الكثير .. تعلمت منه فن التدريس .. لم يكن هناك (مدرس) مثله في قدراته التربوية .. كان يلقي درسه ويلخصه خطوة خطوة على السبورة .. ثم يعيد الدرس في نهاية الحصة استنادا إلى الملخص السبوري .. كان يعلمنا كيف نقرأ ؟ وكيف نحلل ؟ وكيف نفكر ؟ .. كان يربي فينا شخصية الباحث وعقلية الأستاذ ، وروحية الإنسان ، وصدقه ، وانضباطه ، ومواظبته . كنا ، نحبه ونحترمه ، ونجله ، وله مكانة كبيرة بين الطلبة .. كما أن زملاءه المدرسين كانوا يحترمونه ويقدرونه .. كان يبكر في الحضور إلى الجامعة .. وكان يربي الطلبة على الحوار .. يتساءل ويجيب ويعترض ، ويترك الطالب يعبر عن رأيه ولكن يصحح له ، ويدربه ، وينمي فيه قدرة الدفاع عن رأيه .. كان يتابع الصحف .. ويكتب وينشر .. كان له ولا يزال حضور فاعل في الساحة الثقافية العراقية والعربية بل والعالمية ايضا .
اطلعت منذ وقت مبكر على جانب كبير من انتاجه الادبي والثقافي وكنت أزوره في بيته عصرا ، فأجد هناك نخبة من الأدباء والشعراء والكتاب ، يجلسون عنده ويستأنسون بآرائه النقدية .
البياتي ، علامة بارزة في تاريخ الحركة الثقافية العراقية والعربية .. لا افتح موسوعة إلا وله فيها إسهام بارز .. ولا اقرأ فهرسا إلا وله فيه ذكر وحضور .. ولا اقلب منهجا من مناهج اللغة العربية في العراق الا واسمه من بين مؤلفيها ،، ولا اقرأ مجلة إلا وقد كتب فيها مقالة أو دراسة أو نقدا .. لقد كان يشجع الشباب من الأدباء ، والشعراء ، وكتاب القصة ، ويشد على أيديهم ، وينتقد أعمالهم بهدف تقويمها .. انه أستاذ وشيخ .. أستاذ له تلاميذه الذين يعتزون بالتلمذة على يديه ، وشيخ له مرده يلتفون حوله ويتعلمون منه وينقلون أفكاره .

لم ألتقي أستاذا له كل هذا الاهتمام بالفن والمسرح ايضا .. انه مرجع كبير في حركة السينما العراقية والعربية والعالمية .. وله كتابات كثيرة في هذا الميدان .. كتب القصة ، وكتب الرواية ، وكتب في النقد ، وكتب في الإعلام ، وكتب في الثقافة . وقد يعجب البعض عندما أقول لهم أن البياتي درّس في أكاديمية الفنون ايضا وكان من أبرز أساتذة الأكاديمية في العراق ، وطلبته يحصلون على أعلى الدرجات في الامتحانات للدراسات العليا...
ماذا اكتب عن البياتي وقد رحل عنا ، فالكتابة عنه تحتاج إلى مجلدات .. وكل مجلد يتناول جانبا واحدا من اهتماماته .. وقد أحسن الأستاذ حميد المطبعي عندما كتب عنه في موسوعته : ( أعلام العراق في القرن العشرين ) ومما قاله عن البياتي انه شاعر وكاتب وناقد قصة ،، درَس في دار المعلمين العالية ببغداد وتخرج فيها متخصصا بآداب اللغة العربية وتخصص في دراسة الادب الجاهلي والاسلامي.. وكما هو معروف فانه أحرز بكالوريوس آداب اللغة العربية من دار المعلمين العالية ، ،
لم يقف البياتي عند هذا الحد بل أكمل دراساته العليا فحصل على الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة عين شمس بمصر ومع استمراه في نشر الابحاث حصل على لقب بروفسور مبكرا.. وعاد إلى وطنه وأصبح أستاذا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة بغداد ، ورئيسا لقسم اللغة العربية فيها ، ثم امينا عاما في الجامعة المستنصرية ، ودرّس في الجزائر في جامعة وهران ،، وبين 1984 و1989 درّس في كلية الآداب ـ جامعة الحسن الثاني في المملكة المغربية ثم درّس في الجماهيرية الليبية والجمهورية اليمنية والعديد من البلدان العربية والعالمية.. حصل على دعوات من اشهر الجامعات في العالم وقد حضر ندوات ومؤتمرات عديدة داخل القطر وخارجه .. كما كرم من أكثر من جهة .. حصل على جوائز عديدة كأحسن استاذ وباحث وكان مسك ختامها من اكبر جامعات دولة قطر ،، وبعدها كرم من جامعة بغداد والجامعة المستنصرية .. ومع انه لم يسع إلى التكريم ، لكن التكريم هو الذي كان يسعى إليه فالرجل يكتب ويترك ما يكتبه بين أيدي القراء والنقاد .. والمهم عنده أن تصل كلمته . والوعاء لم يكن يهمه .. كتب في العديد من المجلات اهمها مجلة افاق عربية مقالات كثيرة ولسنوات طوال وشغل مناصب عديدة وكان عضوا في هيئات تحرير صحف ومجلات عراقية كما كان مستشارا لمجلات أخرى .. ألف كتبا كثيرة يحتاج المرء لسردها صفحات وصفحات .. لكن ما لايدرك كله لا يترك بعضه .. له أكثر من 12 كتابا مطبوعا يتكون من الاف الصفحات اهمها :

الشعر فى حرب داحس والغبراء /1972
كتاب شعر قيس بن زهير
كتاب ادب الوفود (دراسة لخطب واشعارمن وفد على الرسول)
تأريخ الأدب العربى قبل الأسلام/1979
مواقف كبرى فى تأريخ الأدب العربى/1987
دراسات فى الادب الجاهلى/1987
الموثبات فى الأدب العربى1979 /دمشق
التجديد فى لغة الشعراء /الكويت 1980
الأدب ومعارك العرب المصيرية 1980
كتاب ايام العرب قبل الأسلام لأبي عبيدة /بيروت 1986
مصادر الأدب العربى 1997
ظل الفارس النحاسى
وله اكثر من 62 بحثا فضلا عن مخطوطات عديدة بل مجاميع قصصية وروايات هذا فضلا عن مئات المقالات والدراسات المنشورة في مجلات عراقية وعربية منها ،، المورد وبين النهرين والتراث الشعبي والجامعة والمجمع العلمي وآداب الرافدين والتربية والعلم ودراسات عربية وافاق عربية والرسالة الاسلامية وموصليات وآداب المستنصرية والموقف العربي وهذا قليل من فيض ابحاثه المنشورة ..
1_ ادب المياه وقصص الطوفانات / مجلة افاق عربية /بغداد 1979
2_ اغوار النص / نشرت ضمن كتاب التكريم الموجه الى الدكتور ناصر الدين الاسد / الاردن
3_ نضال الوحدة العربية / مجلة الموصل 1979.
4_ ادب الوفود/ مجلة المؤرخ العربي / جامعة اليرموك /الاردن.
5_ اصالة الوحدة في اقدم النصوص الشعرية / المستقبل العربي / بيروت 1981.
6 _ الجامعات العربية والاسلامية بين التأصيل ومهام العصر / جامعة الدول العربية / المنظمة العربية للتربية والثقافة / الكويت 1984.
7_تراثنا الادبي وفاعلية الحضور / مجلة الاجيال / بغداد 1989.
8_العاب الاطفال في موروثنا الشعري /مجلة المأثورات الشعرية / الدوحة /قطر 1994.
9_ الدين والمعتقد في شعر الاعشى /مجلة اداب المستنصرية 1996.
10_ابو الفرج الاصفهاني شاعرا / نشر في حوليات / جامعة وهران _الجزائر عام 1997.
القائمة طويلة من سلسلة المؤلفات القيمة الرحمة لأستاذي البياتي ، فقد كان بحر من علم لا نهاية له ،، ودعوة لطلبته أن يتصدوا لمتابعة آثاره الأدبية والفكرية ، ورصدها وجمعها ، ودراستها ، وتقديمها بما يليق به واقترح على جامعة بغداد والمسنصرية أن تدعو زملائه وأصدقائه إلى أن يصدروا كتابا تكريما له ، كما تفعل بقية الجامعات الرصينة في العالم .
توفي البياتي فأثنى الناس عليه خيراً كثيراً، لانه كان رحمه الله عليه من أحسن الناس خُلُقاً، فتلك البسمة التي كان يفترُّ بها محياه الجميل بل كانت علامة فارقة تلازمه وتميزه,,, فأسأل الله الكريم الرحيم أن يوجب له بثناء الناس ودعائهم ،، الجنة، فالناس شهود الله في الأرض ..
|