|
31/07/2008 |
خالد المحمود - الجزيرة توك
لم أستطع قبل مدة أن أتقبل دعوة أحد الأصدقاء (الحريصين على مناصرة القضية الفلسطينية) إلى اللقاء في مقهى ستاربكس.
ذكـّرت صاحبي بأن ذلك المقهى أحدُ تجليات العولمة الإمبريالية الأمريكية، ناهيك عن كونه منتجاً صهيونياً خالصاً، وينبغي علينا مقاطعته. بيد أنه لم يزد على أن أجابني بابتسامة هازئة قائلاً "أما زلت تصدق ذلك الكلام"؟ سألت صاحبي عن إمكانية اللقاء في مكان آخر، فرد بأنه وبقية الصحبة سيبقون هناك حتى إشعار آخر، وأنهم سيعلموني بتحولهم عنه متى ما قضوا منه حاجتهم.
كان ذلك الحادث كفيلاً بأن يعقد لساني في حينه، ودافعاً لأن أشتعل غيظاً لاحقاً. إذ إن مجرد التقليل من شأن المقاطعة في حد ذاته قد يعد خطيئة فكيف بممارسة ضدها بأبشع صورة، ألا وهي إعطاء المال لأصحاب علامة تجارية تمول الجيش الإسرائيلي وتدعم بناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (وكل فلسطين محتلة)..
وإذا كان هذا حال من يناصر الفلسطينيين ويؤمن بعدالة قضيتهم، فما عسى حال المتخاذلين؟
والأنكى من ذلك كله، أنه يتم من أجل جلسة متعة على فنجان قهوة!
لست الآن بصدد الحديث في موضوع المقاطعة، فذلك يحتاج إلى بحث آخر يبين مدى تأثيرها على الوضع الاقتصادي أو القرار السياسي.
لكن الذي يعنيني في هذا المقام هو قدرتنا الفذة على ممارسة الشيء وضده في آن ٍ معاً. وهو ما يتجلى هنا بالتوفيق اللاعقلاني بين فعل المعروف ومواقعة المنكر في ذات الوقت!
هذا الخلل في عقل الإنسان المسلم (وربما المسلم/العربي تحديداً) يستدعي وقفة مع الذات، لأنه أشبه ما يكون بمرض انفصام الشخصية. وهو حين يكون لدى المريض أكثر من شخصية واحدة لكل شخصية منها نمط إدراك خاص وتفاعل مع البيئة بشكل مختلف عن الشخصية الأخرى. لولا أنه في هذا الحالة أصاب المجتمع بأسره، وليس أفراداً بعينهم. وهو الوضع الذي يذكرنا بموقف أنصار سيدنا الحسين رضي الله عنه في العراق، حين وصفهم له الفرزدق بقوله: (قلوبُهم معك، وسيوفهم مع بني أمية)!
* * *
البعض يدافع عن تجنبهم مقاطعة بعض العلامات التجارية المعروفة بدعمها المباشر للدولة العبرية (ومقهى ستاربكس أحد أبرزها)، بأنهم لا يبخلون بالتبرعات كلما عنّ حادث في فلسطين يستدعي بذل المال. ولعل هذا ما يُسمى شر البلية الذي يُضحك، وربما يُبكي.
فهو يدفع إلى الضحك لأنه يُسوّي بين مدّ يد العون للقتيل ومساعدة القاتل. فهو من جانب يواسي الضحية ومن جانب آخر يؤازر الجاني. وكأن كلاهما في الأجر- أو الوزر- سواء.
وهو يدفع إلى البكاء، إذ الحديث يدور حول مساعدة الفلسطينيين كلما عنّ لهم حادث. فصارت المساعدة المزعومة مقصورة على (الحوادث الاستثنائية)، وكأنما الاحتلال وحده ليس كاف.
وهو شرٌ في بادئ الأمر، لاعتقادنا بأننا نتصدق عليهم بمساعدتنا هذه. ذلك أننا نرى (مساعدة الفلسطينيين) باعتبارها صدقة ً تـُدفع لهم من فضول أموالنا، وكأنّ الأمرَ لا يخصنا. ونحن بهذا نتجاهل أننا ندفع عن أنفسنا حرّ ما يمس أهلنا المرابطين في فلسطين من نار. وأننا عندما نمد لهم يد العون إنما نساعدهم على الدفاع عن أنفسنا. ذلك أن الفلسطينيين يقومون بهذا الأمر لأجلنا يومياً بالمجان. فهم يدفعون باهظ الثمن لما نمنّ نحن عليهم به من زوائد أموالنا، ونحسبه تفضلا ً منا عليهم.
* * *
كم هو مؤلمٌ حالنا، بل وكم مُخز ٍ، عندما نطالب الفلسطينيين بالثبات والصمود أمام آلة الاحتلال ومعاناة الحصار دفاعاً عن قضيةٍ يأبى كثير منا أن يعافوا لأجلها فنجاناً من القهوة في ستاربكس!
|