|
حماس والحديبية.. محاولةٌ للفهم |
|
|
|
27/07/2008 |
خالد المحمود ـ الجزيرة توك
عندما أتابع تتطورات الأحداث على الساحة الفلسطينية، لا أستطيع سوى أن أقارن بين ما يحدث مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كونها طرفاً في الصراع مع العدو الصهيوني وبين ما جرى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع كفار قريش في غزوة الحديبية.
لتقريب الصورة للقارئ، أستأذن في إيراد بعض وقائع الغزوة التي نتج عنها صلح الحديبية. ففي العام السادس للهجرة عزم النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة، ولكن قريشاً منعته من الدخول إلى الكعبة، فمكث المسلمون عند ماء الحديبية.
عندما بدأت المفاوضات، تتابع ممثلو قريش على النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن اتفق مع سهيل بن عمرو على صلح يعقد بينه وبين قريش، وذلك بعد أن أوشكت الحرب أن تندلع بين الطرفين لاحتجاز الكفار سيدنا عثمان بن عفان موفد النبي صلى الله عليه وسلم إليها.
الصلح نص على شروط هي: (1) أن تعقد هدنة بين المسلمين وقريش لعشرة أعوام. (2) يرجع المسلمون إلى المدينة شريطة أن يعودوا لأداء العمرة في العام المقبل، لا يحملون إلا السيوف في قرابها. (3) يحق لكل قبيلة من قبائل العرب أن تتحالف مع أيّ من الطرفين، ولا يحق لأيهما الاعتداء على القبيلة الموالية للطرف الآخر. (4) يُرجع المسلمون من جاءهم من قريش مسلماً دون إذن وليه، بينما لا تـُرجع قريش من جاءها مرتداً عن الإسلام.
وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على الصلح، دون أن يثبت البسملة، فاستعيض عنها بـ(باسمك اللهم) وبكتابة اسمه مجرداً (محمد بن عبدالله) دون أن يثبت أنه رسول الله، باعتبار أن قريشاً ما كانت لتحاربه لو أنها كانت تؤمن أنه رسول الله.
تلك الشروط بدت مجحفة للمسلمين. وتزعم سيدنا عمر بن الخطاب معارضتها متسائلاً، ما دام المسلمون على الحق، والمشركون على الباطل (فعلامَ نعطِ الدنية في ديننا)؟!
كانت إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه {رسول الله، ولن يضيعني}, في إشارة إلى أن الأمرَ وحيٌ منزل، وليس اجتهاداً شخصياً.
وبدت المعارضة في أوجها بعد توقيع الصلح، حين أبى المسلمون الانصياع إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بنحر الهدي والحلق، فلم يتبعوا أمره إلا بعد أن نحر هديه بنفسه وأمر حلاقه بأن يحلق له.
هذه – باختصار – قصة صلح الحديبية.
ما يدفعني لتذكر (حماس) عدة أمور:
الأول: أن حماس حين أرادت قبل سنوات أن تعرض هدنة بينها وبين إسرائيل، فإنها أشارت إلى أن مدتها عشر سنوات، وذلك في اقتداء صريح بعدد سنوات هدنة الحديبية، دون أن تدرس أوجه الاختلاف في موازين القوة بين وضعها مع الكيان الصهيوني وبين وضع المسلمين والمشركين آنذاك.
الثاني: أن (حماس) أثناء مطالبتها بالحق الفلسطيني تختار من السُنـّة ما يناسب اختياراتها الفكرية، وأحياناً الحزبية، دون أن تضع في اعتبارها أن الأمر في الإسلام إما أن يؤخذ كله أو يترك كله. وهنا أذكّر أن (حماس) ترفض لقاء أي مسؤول صهيوني بحجة أن ذلك سيكون تطبيعاً، دون أن تنظر إلى استقبال النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من قادة قريش، ناهيك عن إرساله صهره لمفاوضتهم، حتى عندما لم يُظهروا من المرونة ما يشي بقرب اتفاق بينه وبينهم، فأبقى باب الحوار مفتوحاً مع من اضطهده في دينه وأخرجه من أرضه.
الثالث: أن (حماس) بمواقفها التفاوضية، الأشبه بمعارضة سيدنا عمر بن الخطاب، تتطلع إلى أن تحصل على النتيجة التي تجنيها قرارات الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي تتسم بالمرونة العالية والقدرة على تجاوز العاطفة (حتى إذا رآها الناسُ حياداً عن مبدأ، مثل تسميته بـ"الرسول" في العقد) وذلك لأنه يتحرى المصلحة الاستراتيجية. ذلك أنه: {رسول الله، وإن كذبتموني}!
أكثر ما أخشاه من الصلابة القاسية التي تتبناها (حماس) أن ينتج عنها في نهاية الأمر انتصار (جزئي أو عاطفي) يُعمي قادة الحركة عن مراجعة اختياراتهم الموغلة في التعنت على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته. وأن يكون هذا الانتصار في جولةٍ ما أمراً يدعوهم لمواصلة نهجهم، بحجة أنهم ساروا على هدي رسول الله {وهو ناصري، ولن يضيعني}!
وفي خِضمّ هذا كله أقول: إن ما يدفعني لمراجعة مواقف (حماس) هو خشيتي من فشل مشروع إسلامي، يُفقد الناس الثقة فيما يمثله. وهذا إن حصل، فإن الحركة لن تتحمل وزرَ أخطائها في التعامل مع القضية الفلسطينية فحسب، بل سيتجاوزه إلى إضافة المزيد من التشويه الذي يلقاه الإسلام في أنحاء المعمورة. والواجب عليهم أن يتقوا الله في الاثنين معاً.
فلا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيهم إن لم يسمعوها
|