|
حين تتحول الفلسفة... إلى دين! |
|
|
|
24/07/2008 |
الكونفشيسية...الحلقة السابعة
مصطفى أبوسيف - الجزيرة توك
ليست دينا بالمعنى المتعارف عليه كدين، فهي لم تدع الى عباده إله، كما انها تخلو من اي نظام كهنوتي او رهباني. لم تأتي كونفشيسية بدين او شريعة اخلاقية جديدة، لكنه كان يميل اكثر الى الفلسفة الأدبية والاخلاقية. هذا هو ما جاء به كونفشيس، نظام اخلاقي مبني على التسبيب والاستنتاج، النظام الذي خرج من الصين لينتشر الي البلاد المجاورة ليصل عدد اتباعه لما يقرب من 350000 نسمة.
قضى كونفشيس شبابه في مملكة "لو" التي بدأ فيها بالعمل في النظام الحكومي، وقد حقق نجاحا كبيرا في الشؤون الخارجية في تعزيز سلطة الحكومة المركزية على الارستقراطية.
كان دائم الاحتكاك بالحكام والمسؤليين وعرض عليه الكثير من المناصب العليا، الا انه كان يرفض في حال وجود حاكم ظالم.
مع بلوغه سن الستين، حصل تغيير كبير في تفكيره، حيث قرر التخلي عن محاولاته لوضع نظام ديني باستخدام الطقوس والاعراف الموروثة، الى ان كرس حياته في وضع 5 كتب فلسفية وهي:
1- السجلات: وهو توثيق لمختلف انواع الحوادث والمحادثات التي جرت لحكومة "لو" ، ويضم نصائح قيمة للحكام والوزراء، ويميل الى اخذ الطابع الاخلاقي.
2- القصائد: وهو يبين طبيعة الحياة السائدة في حينه والمبادئ الاخلاقية الصحيحة.
3- التغيرات: ويضم قدر كبير من الحكم الصينية وبعض الامور الماورائية.
4- الحوليات الربيعية والخريفية: وقد اعتمد في كتابته علي اخبار مملكة "لو".
5- التأريخ: ويتناول احداث واساطير الديانات الاولي للصين.
قال كونفشيس: " اذا كان الحاكم صالحا، فكل شيئ سيسير بانتظام دون اوامر، وان كان غير ذلك، فانه حتى لو اصدر الاوامر، لن يطيعها الناس... من يحكم بالفضيلة يكون كالنجم القطبي ثابتا وتدور حوله النجوم".
يعتبر كونفشيس معلما للاخلاقيات، وهو لم يعتبر ذلك دينا او تشريعا، فقد تجنب الحديث عن الكائنات الروحية لانه لا يستطيع ادراكها، ولكنه كان يؤمن بوجود اله ويؤمن ان تعاليمه تعبر عن ارداته، وقد قال لاحد اصحابه: " انني لا اشتكى من الله ولا اتذمر من الانسان...إذا ما سادت تعاليمي ، فهكذا اراد الله، وإذا ما فشلت فهكذا هو امر الله".

ترك كونفشيس الامور الخوض في الامور الغيبية مبررا انه لا يعرف دلالتها وطبيعتها، وكونه صعب الادراك علي العقل البشري ومستحيل فهمها، ركز حياته وفلسفته علي ما يحسن سلوك واخلاق الناس. متجنبا بذلك ادخالهم في امور ماورائية، حيث سئل قبل موته فقال: "كيف لنا ان نفهم الموت في الوقت الذي لم نفهم فيه الحياه بعد؟!".

" كان القدماء الذين يريدون تحقيق اعلي درجات الصلاح في انحاء الامبراطورية، رينظمون اولا ولايتهم جيدا، واذا ارادو تنظيمها، عليهم قبلها تنظيم عوائلهم، واذا ارادو تنظيمها، عليهم قبلها تهذيب انفسهم، واذا ارادوا تهذيبها، عليهم اولا تطهير قلوبهم، واذا ارادو تطهيرها، عليهم ان يكونوا صادقين في تفكيرهم. وذا ارادوا ان يكونوا صادقين في تفكيرهم، عليهم توسيع معارفهم الي اوسع حد، ويكمن توسيع المعارف في البحث والاستقصاء"... يمكن القول ان هذه الفقرة هي جوهر فلسفة كونفشيس، وعندما سئل:" ماذا تقول بشأن قتل الانسان المجرد من المبادئ الاخلاقيه؟" فقال :" لماذا تلجأون اساسا للقتل في تدبير شئون حكومتكم؟ ليكن عملكم من اجل الخير وستكون الناس خيره، واذا اردتم حب الناس، فحاكموهم باحترام واتزان".

ورغم ان كونفشيس لو يؤدي اي طقوس دينية، إلا ان اتباعه مارسوا طقوس دينية كأي دين. اهمها هو التأمل والتفكير ليصل الفرد الي مرحلة الانسان الكامل، تقديم النذور والقرابين الي الهه النار والمدن والجبال والشمس. اما الطقس الاكبر هو تقديم الملك الشكر وطلب البركة من السماء من اله السماء الذي يعتبرونه ابن السماء والكائن الاعلي للعالم، وذلك في جو من الرهبة والخشوع.
|