|
16/07/2008 |
المشروع الاساس والمشاريع الداعمة
وائل عادل - الجزيرة توك
 مضى زمن طويل على الإعلان… “قريباً تفتتح سينما الأحلام“… وكلما مررت أمام موقع السينما كنت أتلمس خبراً أو تسريباً عن فيلم سيُعرض قريباً… لكن دون جدوى. أما عزائي فكان استمتاعي بالفيشار.
فقد جهزت إدارة السينما المكان تجهيزاً جيداً، فهنا يباع الفيشار اللذيذ الذي لا يُقاوم، وبجواره توجد دورة المياه الفخمة.
مر عام وإذ بي أجدني أمام السينما… لأرى أفواجاً هائلة من البشر… قلت في نفسي لاشك أن فيلماً رائعاً سيُعرض الآن، لكنني وجدت الأفواج متكدسة أمام دورة المياه العامة وبائع الفيشار، أما السينما فقد كانت مهجورة الأنوار خاوية من الأفلام.
كنت قد سمعت أن صاحب مشروع السينما أحد رجال الأعمال الذين يحملون رسالة تنوير في المجتمع، لكنني لا أدري.. ما الذي حدث؟ هل تحول مشروع التنوير إلى مشروع تنفيس في دورة مياه؟؟
أسرعت إلى مكتبي لأكتب مقالاً عن مشروع “سينما دورة المياه”، وبعد أن نُشر المقال إذا بصاحب المشروع يتصل بي ساخطاً، قال لي لقد ظلمتني بقلمك اللاذع، سألته أن يهدأ ويكمل حديثه، أجابني أن مشروع السينما ليس مشروعاً تنويرياً فقط، فهو أيضاً مشروع تسلية ومشروع راحة نفسية، وقد حققنا هدف التسلية من خلال الفيشار، وهدف الراحة النفسية بقضاء حاجات الناس في دورات المياه، ولا يمكن شطب المشروع كاملاً لمجرد أن السينما لم تعمل، ثم استطرد قائلاً: هل تعلم أننا حصلنا على جائزة أفضل دورة مياه عامة على مستوى القُطر؟؟ هل تعلم أن عدد الوافدين علينا يزداد يوماً بعد يوم؟ هل تعلم كم ننفس من كربات المارة الذين يجدون في دورة المياه ملاذاً لهم كما يجد الظمآن في الصحراء بئر ماء؟؟
قلت له: هل تعلم أن كلامك مؤثر جداً؟؟. وهل تعلم أنني ازددت يقيناً بما كتبت في المقال؟!
أحياناً تضيع البوصلة لدى أصحاب المشاريع، وينشغلون بالمشروع الفرعي عن الأصلي، بالمشروع الداعم عن المشروع الأساس. فقد كان هذا المشروع مُصَمَماً من أجل عمل تنويري عبر الفن، إلا أن المشروع الداعم طغى، فصار الهدف إدخال الأطعمة في البطون، وإخراج عشرات الأطنان من منتجات الصرف الصحي.
وأصحاب المشاريع النابهون يحذرون السقوط في فخ المشاريع الداعمة، فإذا وقفت أمام بائع الفيشار وسألته ما إنجازك؟ فأجابك أنه أحضر الوقود لإشعال النار، وجلب الحبوب لصنع الفيشار، حينها ستعتبره مخبولاً، فهذه أنشطة داعمة ليست مطلوبة لذاتها، وإنجازه الحقيقي هو بيع الفيشار. وأغلب المشاريع تحيط بها حزمة من المشاريع والأنشطة الداعمة، ولا يمكن اعتبارها إنجازاً في حد ذاتها؛ فضلاً عن أن تتحول إلى وسيلة عرقلة لتقدم المشروع.
فلقد كثر عدد مرتادي دورة المياه وآكلي الفيشار بشكل يعرقل دخول مشاهدي الفيلم المفقود إلى القاعة، ولو كان كل مشروع داعم يعمل على حدة لفسدت المشاريع ولطغى بعضها على بعض، فالمشاريع الداعمة لا يمكن فهمها إلا في سياق المشروع الأساس، فجمهور مشروع فيشار فحسب سيختلف عن جمهور مشروع دورة مياه فحسب، ومشروع دورة المياه مقترناً بمشروع الفيشار يكتسب معنى آخر في ظل وجود السينما، ففي هذه الحالة سيكون الجمهور المراد هو عاشق السينما، وليس آكل الفيشار. إن المشروع الأساس هو الذي يكسب المشاريع الداعمة معنى ومبرراً للوجود، ويقرر حدودها حتى لا تتغول عليه.
لذلك لا يُعقل أن يحتج صاحب السينما بأن مشروعه ليس سينما فقط، إنه سينما وفيشار ودورة مياه، فهذا النمط من الإجابة يعكس هروباً من إجابة السؤال، والمؤسسات الواعدة لا تحدد أهدافاً زئبقية، كلما سألتها عن نجاحها في هدف تجيبك ليس هذا هو الهدف الوحيد، نحن لنا هدف ثان، فإن سألتها عن الثاني تحيلك إلى الثالث، وهكذا تتقاذفك الأهداف. فتمييز الهدف الأساس من الداعم يعني إمكانية التقويم بالنسبة للمؤسسة وللراصدين.
قلت لصاحب المشروع.. طالما أن الأهداف تتساوى عندك لم لا تطلق عليه مشروع “دورة المياه”؟! طالما أنك تؤمن أن السينما ليست الهدف وحدها، فليكن مشروع “دورة المياه”، والسينما خادمة له.. واسأل أي عامل في مشروعك عن الهدف، سيخبرك بعد أن يسد أنفه بيده: نقضي حوائج الناس ونخفف عنهم.
ربما قضى صاحب المشروع وقتاً طويلاً في بيع الفيشار وترتيب دورة المياه، وكل هذا لا يشفع له، لقد تحول رجل الأعمال صاحب الرؤية الفنية التنويرية إلى بائع فيشار، أظن أن عنوان مقالي في نقده لم يكن متجنياً… “متى سيبدأ العرض؟؟”
في اليوم التالي رأيت طفلاً صغيراً يخرج من دورة المياه الفخمة، بعد أن أكل الفيشار اللذيذ، سألته أمه بصرامة … هل قضيت حاجتك؟؟ علمت من إجابته أنه ابن صاحب المشروع، فقد تنهد مجيباً: لا.. لكنني أرخيت الحزام وأرسلت السروال!!
|
احنا وين صرنا؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!