ورغم أن هذا الكلام لا يخلو من صحة، فإنه في الوقت ذاته لا يخلو من مغالطة. فالوقت وحده ليس العنصر الأهم فيما أسفرت عنه بحوث المسيري، وإن كان لعب دوراً أساسياً في رحلة تكوينه الفكرية بتصويب منطلقاته وتحديد اتجاهه.
ما يميز عبد الوهاب المسيري أنه كان إنساناً حريصاً على الفهم. وهاتان الميزتان (الإنسانية والحرص على الفهم) هما ما جعلاه يرتقي أعلى مراتب الفكر، ليس في العالم العربي وحده، بل في الأرض قاطبة.
إنسانية عبد الوهاب المسيري تتجلى لك منذ أول لحظة تتعرف فيها عليه. ومحبته تتسلل إلى قلبك بهدوء أقرب إلى الصمت ولكنها تنفذ إليه بسرعة الضوء. يُشعرك عندما ينصت إليك أنك أنت المفكر وأنه ليس سوى أحد تلامذتك. تنسى أنك أمام عَلـَم من أعلام الأمة أثناء حديثك معه، خاصة عندما يروي لك إحدى نكاته العامرة بالعمق والسخرية اللاذعة معاً، حتى لتنسى أن قائلها أحد المفكرين المبرزين.
تذكر زوجتي كيف أنه ترك منصة المحاضرة التي كان يوشك أن يلقيها في الدوحة ليسلم علينا. استعجاله نحونا أوحى بأنه يدين لنا بحياته، ومعرفته بأنها ليست زوجتي فحسب، بل كريمة أحد تلامذته العظام (الفقيد ماهر عبد الله رحمه الله) جعلته يتناسى آلام ظهره وجميع الحاضرين المحيطين به. وما زاده تقديرا أنه قدم نفسه لها بقوله «أنا عبد الوهاب المسيري»، خلافاً للذين يُعرّفون أنفسهم بـ «الدكتور»!
أما حرصه على الفهم فيتجلى في كل شأنه. ومن المهم التفريق بينه وبين محاولة الفهم. ذلك أننا في العموم نحاول الفهم، فإذا توفرت لدينا أبسط معطياته، فإننا نركن إليها باعتبارها الحقيقة المطلقة. وهذا ليس شأن مفكر عظيم كالفقيد.
حِرص المسيري على الفهم أكثر ما يتبدى في إنشائه «النماذج التحليلية المركبة». ذلك أنه حين تعجز التعريفات والنماذج التي استحدثها الآخرون في تفسير معنى الموضوع الذي يبحثه المسيري، فإنه يقوم باستحداث نموذجه الخاص بحيث يكون شاملاً لكل أبعاد الموضوع ومفسراً لكافة تفاصيله في الوقت نفسه، لأن قصور التعريفات الأخرى لا يعني التشكيك في صحة التفسير فحسب، بل الطعن في فهمنا للحقيقة ذاتها.
لذلك فإنك تجد الكثير من النماذج التي طورها المسيري في مؤلفاته، والتي تتصف بـ «قدرتها التفسيرية العالية»، بخلاف التعريفات والتفاسير التي يعلق عليها أحياناً بأنها «لا تـُفسر شيئاً»!.
فإذا أردت مثلاً فهم الحركة النسوية المتطرفة «Feminism»
فما عليك سوى الرجوع إلى نموذج «التمركز حول الأنثى»، وإذا أردت فهم العلمانية «الجزئية أو الشاملة» على حقيقتها، فعليك بكتابه المعني بهذا الخصوص. أما إذا أردت فهم أي تفصيلة عن أي من «اليهود واليهودية والصهيونية» فإنك ستجد بغيتك في أغلب كتبه، ناهيك عن الموسوعة الخاصة بها. وستتكشـّفُ لك أشياء ما كنت لتدركها باستخدام مفردات الخطاب العربي/الإسلامي المعاصر أو تحليلاته، لأنها فعلاً «لا تفسر شيئاً»!.
هذا الحرص الشديد على الفهم هو ما دفعه إلى التحولات الفكرية العظيمة التي مرّ بها على مدى سبعين عاماً. فانتقاله من فكر الإخوان المسلمين مبكراً إلى الماركسية كان مدفوعاً برغبته الجامحة في استيعاب الأشياء ومن ثم الإيمان بها بعقله أولاً لا بقلبه فحسب. ولأن الحقيقة وحدها كانت غايته فقد أبقى باب البحث مفتوحاً على مصراعيه. ولم يلبث طويلاً حتى اهتدى إلى ساحة الإسلام الرحبة ليعثر على ضالته. ولقد كان يؤثر عنه قوله لرفاقه اليساريين قبيل تحوله عنهم بأنه «ماركسيٌ على سُنةِ اللهِ ورسولِه»!.
لعل هذا تحديداً هو أكثر ما سنفتقده برحيله. فما أكثر المفكرين (وبعضهم تطلق عليه تسمية «المفكر» جزافاً) الذين حكروا عقولهم على إعجابهم بالفكرة لا على رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة.
أما المفكر الحق، عبد الوهاب المسيري، فقد جنـّد فكره ليدافع عن قضية الإنسان الذي آمن بتفرده في الكون وتركيبته اللامحدودة وانفصاله عن عالم الطبيعة/المادة، لا كما يراه دعاة الفكر المادي العلماني. ولهذا فإنك تجد أنشطته العامة، فضلاً عن إنتاجه الفكري، تلامس إنسانية الإنسان في كل موقع شغله في ميادين الثقافة والسياسة والمجتمع بكافة شرائحه.
نعم.. لقد فقدنا عبد الوهاب المسيري الإنسان. ولكنه حرص قبل رحيله أن يترك ما ينير لنا شيئاً من عتمة الطريق. ولا عجب أن مقدمة موسوعته الأبرز ضمّت هذه الكلمات: «هل تموتُ الفروسية بموتِ الفارس؟ هل تموتُ البطولة باستشهادِ البطل؟ وهل يختفي الصمودُ إن رحلَ بعضُ الصامدين»؟ فكأنه يوصينا بألا نطيل عليه البكاء عندما يترجّل عن صهوة فكره.
***
قبل سنوات، بعثتُ له أبياتاً أهنئه فيها بالعيد عبر هاتفه النقال. فما كان منه إلا أن قرأها على زواره، قائلاً «إنها من صديق عزيز يُؤمّـل منه الكثير». فكانت كلماته هذه وساماً أعلقه على صدر روحي ما بقيت.
قلت له في ختام أبياتي تلك:
سألتُ ربّي المجيـــــدا *** إذا شهدتَ العيدا
وقد لبستَ الجديدا*** **بأن تعيشَ سعيدا
وأن تموتَ شهيــــــــدا*** وخالد المحمودا!
أسأل الله تعالى أن يكون ذلك هو الحال معه ومعي. اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها.. آمين.