|
07/07/2008 |
|
خالد المحمود ـ الجزيرة توك
في خريف عام 2003 في بغداد الرشيد، دعيت إلى وجبة غداء على ضفاف نهر دجلة. كان ذلك اليوم موعدي للمرة الأولى في حياتي مع وجبة «المسكوف» عندما اجتمعت لي الخضرة والماء والوجه الحسن؛ فقد كانت مضيفتي هي الأخت الشهيدة أطوار بهجت رحمها الله تعالى. وكانت المناسبة توديعي في آخر أيام عملي في العراق لتغطية أحداث ما بعد الحرب.
أثناء الغداء لاحظت طفلاً في نحو الثانية عشرة من عمره، وكان واضحاً أنه يعمل في المطعم الذي عاود العمل حديثاً بعد الحرب، يحمل كيساً يحوي قمامة المطبخ. وما أن وصل الطفل إلى ضفة النهر -غير بعيد عني- حتى ألقى بتلك القمامة في دجلة، لم أطق الصمت وأنا أرى دجلة الخير يتعرض لهذا الابتذال، خاصة أنني تأملت أن يأبى العراقيون على أنفسهم أن يشاركوا في تشويه بلادهم بأنفسهم بعد ما عانوه من ويلات نظام الحكم السابق ومعاناة الحصار وآلام الحرب !
أردت أن أعلم الطفل درساً في الانتماء للوطن، فسألته بلهجة يفهمها: «يابَه، هاي النهر لمين؟». كان غرضي أن أوضح له أن النهر مِلكٌ له، فينبغي عليه الحفاظ عليه لأنه بمثابة ثروته الشخصية. كان جلياً عدم استيعابه سؤالي فأعدته عليه. فلم يلبث طويلاً حتى أجابني بعدم اكتراث: «إشمدريني؟». وقفل راجعاً من حيث أتى!
ضحكت أطوار -رحمها الله- من تصرفي، وقالت إن الآن ليس وقتاً مناسباً لتحذلقي مع هذا الصبي المسكين، وإن علينا أن نتناول غداءنا وننصرف بصمت. ذلك أن هذه المطاعم كانت عرضة للإغلاق من قبل السلطات العراقية حتى في فترة ما قبل الحرب لأسباب أمنية، فالأولى أن ندعهم «يترزقون الله» ما دام الوضع الحالي يسمح لهم بذلك.
لم أستطع أن أتقبل الفكرة، رغم ذلك التفسير. إذ إن النظام زال ولكن الوطن باق. وينبغي للناس أن يذودوا عنه من سوء صنيعهم مثلما يدفعون الغزاة عنه!
طلبت من مُضيفتي الكريمة بعد الغداء أن نذهب في جولة نهرية في أحد القوارب السياحية لأستمتع بمشاهدة بغداد من دجلة. وكنت أتأمل أن يوحي لي الموقف بأبيات من الشعر أحفظها في خلدي مع روعة المشهد المحيط بي.
أثناء التجوال، كانت أطوار -رحمها الله- تسمي لي المباني التي تناثرت على ضفتي النهر.. «هذا قصر الأعظمية الخاص بصدام.. هذه وزارة الدفاع.. هذه صدامية الكرخ وفيها قصرٌ لصدام.. هذه دائرة الاستخبارات العسكرية.. هذه الشعبة الخامسة الخاصة بتعذيب السجناء وتصفيتهم.. هذه هي المناطق الرئاسية، حيث القصر الجمهوري الذي كان يعيش فيه صدام، وفيها الأجهزة الأمنية والحرس الخاص بصدام.. هذا قصر السجود لزوجة صدام.. هذه بيوت كبار المسؤولين المقربين من صدام.. هذا قصر عُدي بن صدام.. هذه مناطق مسيجة لأسباب أمنية.. هذا قصر رئاسي آخر...». لم يخل مكان من تلك المواقع سوى بضع مئات من الأمتار خلال جولة استغرقت خمساً وأربعين دقيقة!
أوشكت أن أجنّ، بينما كانت تعدد أسماء تلك المواقع الحساسة التي تحيط بالنهر. سألتها: كيف كان الناس يتجولون في النهر وكل هذه المباني تحيط بهم؟ أجابتني بقولها: ومن قال لك إن هذه الجولات كان مسموحاً بها أصلاً؟ وواصلت قائلة إن الأماكن التي كان يمكن الذهاب إليها محدودة جداً على ضفتي النهر، وهي ممنوعة قطعياً في النهر نفسه، باستثناء بعض نقاط توصيل محدودة بين الكرخ والرصافة.
ذكرتُ عندها الصبي حين أجابني بقوله «إشمدريني؟»، فالتمست له العذر.
لم يعرف الصبي أن النهر ملكه، لأنه ببساطة لم يكن يوماً كذلك! فمنذ مولده وهو يراه يجري لأجل الحاكم، فلا يمكن له -أو غيره - أن يفكر في الخوض فيه، ناهيك عن إمكانية ارتكابه (جريمة) كتلك! فعلام سيخطر بباله أن يكون أحد ملاك هذا النهر يوماً!
تذكرت عندها «حديقة الشعب» في دولة مجاورة للعراق. تلك الحديقة التي لا يجرؤ أحد من الشعب أن يطأها، لأنها تجاور مبنى للمخابرات.
وتوالت بعدها ذكريات لبلدان ليس للمحكوم فيها حقٌ إلا ما يتفضل عليه به الحاكم.
أتساءل: كيف يمكن أن يكون المرء مواطناً صالحاً.. وقد انتـُزع منه شعوره بالمواطنة!
|
لا اعلم لما حينما نعارض النظام في اي دولة نحاول ان نهدم دولتنا والدولة شيء والنظام الحاكم فيها شيء آخر
صراحة أنا احسدك على تجوالك في نهر دجلة لا بد أنها كانت جولة رائعة
كما انني اوافقك الراي ليس من المعقول ان تتجول لمدة 45 دقيقة ولا تجد على ضفتي النهر الا بعض امتار لا تمت بصلة للحاكم
كما احسدك على لقائك بالشهيدة اطوار بهجت
انا لا اعلم سبب انتقالها من الجزيرة الى العربية لكن وجودها في الجزيرة كان مميزا بل اننا لم نعرفها الا من خلال الجزيرة رحمها الله