|
05/07/2008 |
|
منجية ابراهيم ـ الجزيرة توك ـ جنوب الجزائر
في ثمانينات القرن الماضي ، ذات منتصف نهار شتوي أهدتني العناية الإلهية ميلادا في وطن قال عنه شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا:
و قل الجزائر!! و اصغ إن ذكر اسمها
تجد الجبابر ساجدين و رُكَّعا
إن الجزائر في الوجود رسالة
الشعب حرَّرها و ربك وقَّعَا
وطن رضعنا منه البطولة و الثورية حتى الثمالة و أشْربنا الشموخ و الصمود و الحرية حد الارتواء ..46 سنة مرت على استقلاله و مازال يذكر كيف قدم لعيني الحرية مليون و نصف شهيد.. كانت تاريخية بالنسبة لي زيارتي للمتحف الوطني للمجاهد على سفح رياض الفتح في العاصمة الجزائرية ..
،،التاريخ كله انتصب كي يصافحنا و انحنت أرواحنا تحية لأمجاده ، و عند المدخل وقفت ذاكرة الثورة تستعد لاستقبالنا و التقاط صور للذكرى معنا، غير أن أيادي رجال الأمن البغيضة سبقتها و جردتنا من آلات التصوير و من هواتفنا و حتى من دفاتر صغيرة كنا ننوي تسجيل ملاحظاتنا عليها..!! نعم ، التاريخ لا يمكن أن يُحنَّط في صور أو يُبَروَز كي يعلق على الحائط ،، التاريخ لا يزال هنا !!
كنا نعبر أروقة و أقسام المتحف و كأننا نعبر أزقة الذاكرة في الجبال الشاهقات التي كانت معاقل للثورة،، و كأننا هناك نقتسم كسرة الماء و الملح مع الثوار ،، و كأن السي الحواس لوح لنا بيده و هو ينظف بندقيته .. مسدس "علي لبوانت" ،، بطانية "ديدوش مراد" ،، قبعة "أحمد زبانة" و أشياء كثيرة كثيرة لكل أولائك الذين تعرفنا على بطولاتهم في مقاعد الدراسة ، وضعت في حواجز زجاجية كي تحفظها من الغبار و اللمس في المتحف ..كان يفصل بيننا و بين التاريخ خطوة واحدة للأمام و قطعة زجاج..تسابقت عبراتي منسكبة من عيني دون أن أستطيع حبسها ، نظرت لرفيقتي فإذ بهما أيضا تذرفان دموعا في لحظة من الذهول ،، بعد برهة سألتني إحداهما لما تبكين فأجبتها " شعرت أننا أضعنا في زحمة الحياة رسالة و أمانة مُنحْناها من الشهداء ..نسينا الجزائر فنسيتنا" هزت رأسها و قالت ذاك أيضا ما أبكاني !
واصلنا السير في الأروقة و هناك في جناح خاص كان الرئيس الراحل "هواري بومدين" بابتسامته الغامضة يدعونا كي نقف هنيهة معه ،، برنوسه الجزائري الذي يحب أن يلبسه ،،ربطة عنقه الشهيرة المخططة بالأسود و الأبيض و التي يحب أن يلبسها في الخطابات الرسمية ،، بدلاته ، أقلامه ، مفكرته، و كأنني كنت أسمع صوته الجهوري يصدح بخطاباته التاريخية و يده تضرب بقوة على الطاولة لتجبر الجميع على الإصغاء ،،كدت أقول له "رفقا بكفك يا سي الطيب الوطني" ، قاطعَنا لحن هادئا تدفق من غرفة أسفل المتحف، فودعنا الراحل و نزلنا الدرج لنجد المكان مضاءا بالشموع و الأنوار الخافتة تتوسطه صخرة مهيبة ، أخبرنا رجل كان يقف قبالتها أنها الصخرة التي سقط عليها أول شهيد برياض الفتح ،، كنا قد أنهينا قراءة الفاتحة في قبة الترحم على الشهداء لكنني بقيت واقفة أسلم عليهم : سلام الله على روحك يا "عميروش" ، سلام الله على روحك يا " سي الحواس" ، يا "ديدوش مراد" ، يا "حسيبة بن بوعلي" ، يا "العقيد لطفي" ، يا مصطفى بن بولعيد ،، يا جميلة بوحيرد ...سلام الله على أرواحكم أيها الشرفاء أبدا .
|