|
عبد الوهاب المسيري إلى مثواه الأخير .. وداعاً أيها الرجل |
|
|
|
04/07/2008 |
الدولة كافأت المسيري بعدم حضور أي من رموزها جنازته
عمرو مجدي - فريق الجزيرة توك - القاهرة
(إنتا بتستعبط)؟!! هكذا رددت على أحد أصدقائي الذي أخبرني في التاسعة والنصف صباح الخميس إن (الدكتور المسيري مات)!
نعم بيستعبط .. ورغم أني لم أصدق الخبر للوهلة الأولى، ورغم أنني للتو عائد من جنازة المفكر والكاتب الدكتور عبد الوهاب المسيري إلا أنني ما زلت أعتقد أن صديقي كان (يستعبط) ..فأمثال د. المسيري لا يموتون أبداً.
وكيف أصدق وهو الذي كان دائما يبهرني بتفاؤله اللامحدود، ولن تنمحي من ذاكرتي أبداً حينما قابلته بدون ترتيب في كلية السياسة بجامعة القاهرة، ومشيت بجواره يتكأ على يدي وقال بصوته الوقور الهادئ: سنتتصر على المرض إن شاء الله كما سننتصر على الدكتاتوريين!
أحاول أن أخترق الصفوف المكتظة في مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر، وأن ألقي نظرة عن قرب أكثر على الصندوق الكئيب الذي حوى جسد أستاذنا. يزجرني البعض مغضبا لكني لا أرتدع..
في الطريق إلى باحة المسجد أشاهد أستاذ عصام سلطان من حزب الوسط، وأستاذ عبد الغفار شكر من حزب التجمع ..
أتقدم في الصفوف أكثر وأرى المزيد من الوجوه.. دكتور عصام العريان ودكتور عبد الحميد الغزالي ممثلين عن جماعة الإخوان.. الدكتور محمد السيد سعيد والدكتور محمد إدريس من مركز الأهرام الذي عاش فيه وأسسه الدكتور المسيري .. إبراهيم المعلم رئيس اتحاد الناشرين المصريين والعرب ورئيس إدارة دار الشروق التي نشرت للمسيري العديد من أعماله
يرفع الناس أيديهم بالتكبير وأشرد ببصري (اليهود واليهودية والصهيونية) .. 25 عاما قضاها خلف المكتب في الأهرام.. 25 عاماً مع الشباب والحياة والأمل واليأس والصمود.. أستيقظ على صوت التكبيرة الثانية وأتذكر (انهيار إسرائيل من داخل، العالم من منظور غربي، قضية المرأة) .. وأستيقظ ثانية على التكبيرة الثالثة وأتذكر (العلمانية تحت المجهر، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) .. أستيقظ على التكبيرة الرابعة وأحاول أن أفيق من شرودي لألحظ المزيد من الحضور..
أمّ الصلاة الأستاذ فريد عبد الخالق أحد أوائل الإخوان وأثار البعض لغطاً حول كونه كبر 5 تكبيرات وليس 4 ، وفجأة انقطع اللغط أمام مقدم الدكتور يوسف القرضاوي .. وقرر شيخ المسجد إعادة الصلاة مرة أخرى لمن يرغب وأم المصلين الدكتور القرضاوي.
أما المثير في الأمر فهو عدم تواجد أي فرد يحسب على النظام في الجنازة بين المعزين، وبدا الأمر مرتبا بشكل كبير، خاصة في ظل الخصومة الأخيرة التي واجهه بها النظام على خلفية توليه منصب المنسق العام لحركة كفاية.. ولعل الشخص الوحيد الذي يمكن أن يأخذ صبغة حكومية وكان حاضرا هو الدكتور أحمد كمال أبو المجد، لكن لم يلاحظ تواجد أي من رجالات الدولة الرسميين أو رموز الحزب الوطني على خلاف الجنازات التي تقام عادة لكبار الكتاب والمفكرين.
في خارج المسجد حاصر الصحفيون بعض كبار المعزين، وكان من أبرزهم الأستاذ عمرو خالد الذي حاول الهروب بدبلوماسيته المعهودة من الإجابة عن السؤال المحرج: لماذا غاب رموز النظام؟ وقال: "أنا أتيت لأعزي هنا (زي زيكم) .."
أما المفكر والكاتب الأستاذ فهمي هويدي فأجاب عن نفس السؤال بقوله: "هذا دليل عن أن الدولة لا تمثل الشعب .. والنظام لا يمثل نبض الشعب".
وكان من بين أبرز الحضور أيضا المحامي الدكتور محمد سليم العوا الذي اعتبر موت المسيري خسارة فادحة للشعب وللأمة، كما كان المستشار زكريا عبد العزيز بين من استقبلوا العزاء في المسيري وقال: "إن كتابات المسيري لم تكن مجرد كتابات فكرية بل تمثل دفاعا خطيراً عن الأمن القومي المصري والعربي". وانتقد عدم اهتمام الدولة بالأخذ بكتبه وأفكاره على محمل الجد وطباعتها على نفقة الدولة.
أما الدكتور أحمد عبد الله مدرس الطب النفسي بجامعة الزقازيق وأحد تلاميذ المسيري – كما يحب أن يصف نفسه – قال إن موت الدكتور المسيري هو أفضل تكريم له، كي يرتاح من عنت البلد والناس! وأضاف إن: عدم حضور رموز النظام يعد تشريفاً للمسيري ..
فعلا يا دكتور .. هذا هو أفضل تكريم له.. ولو كان لي أن أقول كلمة أخيرة عن الرجل.. فهي مقتبسة من عنوان كتابه (رحلتي الفكرية.. في الجذور والبذور والثمر).. أراد أن يترك لنا الجذور والبذور لمن أراد أن ينميها ويسقيها.. وليس فقط الثمار جاهزة الأكل..
وقد كان له ما أراد.. ترك عشرات الكتب، وآلاف المقالات، وملايين القراء والتلامييذ.. فرحمك الله رحمة واسعة.




|
نعم ... عدم حضور رموز النظام يعد تشريفاً للمسيري ..