تغطيات   مقابلات   مدونون بلا حدود  كتابنا  مراسلو الجزيرة توك

من المنتديات
كيف أصبح مراسلاً ؟
مصر
المغرب
فلسطين
الجزائر
المملكة المتحدة
الإمارات
سوريا
قطر
ألمانيا
السعودية
الصين
ماليزيا
اليمن
لبنان
تركيا
باكستان
البحرين
العراق
ليبيا
امريكا
موريتانيا
الكويت
كندا
السودان
الأردن
السويد
الصومال
بلجيكا
أفغانستان
فرنسا
نيجيريا
تونس
سلطنة عمان
مغص عقلي طباعة ارسال لصديق
26/06/2008
ابحث عن الشباب
وائل عادل - الجزيرة توك
بدَأتْ الحصة الثانية… أجهد “الماوس” جدي وهو يحاول أن يطارد الملفات في “الكمبيوتر”، أخبرني أنه نسى كل ما تعلمه في الحصة السابقة… بدت عليه علامات التململ… أقسم أن تكون هذه هي الحصة الأخيرة.
حضر العَشاء بعد أن فشلتُ في مهمتي.. ناديت أطفال العائلة فهم ملح الطعام.. أخذ الجميع يأكل في نهم… إلا أن الجد اكتفى بكسرات خبز مع الجبن حتى لا تضطرب معدته… همس أحد الأطفال في أذن الجد.. “جدو.. أنا أشطر منك… أستطيع أن ألعب أية لعبة على الكمبيوتر بينما لازلتَ تبحث عن مؤشر “الماوس”… ثم أمسك الطفل بالـ”ساندويتش” وانهال عليه قضماً..تستطيع المعدة الصغيرة أن تأكل جميع أنواع الأطعمة دون تعب، لكن بمرور الوقت وجريان العمر تشترط المعدة كمية وأنواعاً محددة حتى تستطيع أن تعمل دون تذمر..
ويخيل إليّ أن العقول كذلك لا تهضم كل أنواع الأفكار بسهولة، فكلما كانت “المعدة العقلية” شابة، كلما كانت شرهة، وكلما تقدم بها العمر كلما بدأت تقنن لنفسها أنواع الأطعمة والمشروبات الفكرية التي تحمل تصريح دخول!!

لذلك من المهم أن ينتبه أصحاب الأفكار الجديدة إلى هذه الطبيعة الخاصة لمعدة العقل، وألا يثقلوا على كل الناس ليجبروهم على تناول أفكارهم، فليس كل إنسان تصلح معدته كي تهضم أفكارك، لمجرد أنك تأمل أن يقتنع. أو لمجرد أنه صانع القرار الذي يُرجى أن يعدل مساره. فقد كنت أريد لجدي أن يتعلم استخدام “الكمبيوتر”، حتى يستطيع أن يستمع إلى كل الأغاني التي يحب بدلاً من استخدام الراديو وشرائط الكاسيت، لكنه لم يستجب، وكان دائماً يقول: “يا بني عقولنا تختلف عن عقولكم”، وحتى حين يستخدم الجهاز الحديث فإنه يتعامل معه بمنطق الآلة التي اعتاد التعامل معها، فهو يحرك كل شيء ببطء كما اعتاد أن يحرك مؤشر الراديو. وكلما نظر إلى “الكمبيوتر” يسأل نفسه، ترى أين مؤشر تغيير القنوات؟!

وأساطين الفكر القديم يعيشون صراعاً نفسياً عظيماً إزاء ثورة الأفكار، إذ أنها تنعي إليهم عمرهم الذي قضوه في فكرة ربما أخطأت الطريق، وكلما نظروا إلى تاريخهم السالف؛ كلما يئسوا من استدراك المستقبل، فيؤثرون السلامة راضين بالسير في طريق… أي طريق.. وطَرْح الفكر الجديد عليهم والإلحاح به يؤذيهم ويؤلم عقولهم، إذ يدعوهم لتغيير نمط النظر للحياة. وربما لا يكون من الإنصاف إرهاقهم بأطروحات فكرية مختلفة جذرياً، إذ ليس ذلك من الرحمة في شيء. ترى هل من الرحمة أن تطالب شيخاً طاعناً في السن بالجري السريع بحجة أن له قدمين وساقين مثلك؟!
قد يتسائل البعض!! ولكن هؤلاء القدامى هم صناع القرار في مؤسساتهم، وإذا تم التأثير فيهم وإقناعهم فستكون عمليات التحول سريعة وممكنة. لكن تاريخ الثورات العلمية ينبئنا أن الحقائق العلمية لا تنتصر لأنها تقنع المعاندين، فالحقيقة العلمية ترى الضوء بسبب موت المعاندين فكرياً أو جسدياً، وظهور جيل جديد ينظر بحيادية إلى المسائل المطروحة سابقاً. وهل هُضمت أفكار كوبرنيكس الذي حدد موضع الأرض من السماء إلا بعد قرن من وفاته؟؟!! وهل انتشرت الهواتف الخلوية ووسائل الاتصال الحديثة نتيجة اقتناع الأجيال القديمة بضرورتها؟! أم نتيجة ظهور جيل جديد يتلقفها؟! حتى أنها صارت دمية في أيدي الأطفال.

غالباً ما يأتي تغيير الأفكار عبر هذه الثلة الفكرية الشابة التي تفتحت عينها للتو على العالم، فتنظر في أطروحات الأقدمين بحيادية، فليس من مصلحتها تبني طرح هذا أو ذاك، لأنها على أتم استعداد أن تحدث ثورة في طبيعة النظر للأشياء. إنها ليست منحازة للراديو، بل منحازة لأسرع وسيلة تُسمعها ما تهوى.

وإن كان هرم المعدة العقلية أمر طبيعي كسنة من سنن الحياة؛ إلا أن هناك بعض العقول ظاهرها الشباب وباطنها الشيخوخة، فهم شباب يحاولون الاقتداء بكبار السن فيما لا يحسن الاقتداء به في عالم الأفكار، متوهمين أنهم بذلك حكماء، وما دروا أن كبار السن يمرون بمرحلة طبيعية في رحلتهم العقلية، ترى أحدهم يقول لك: “لعل في عدم استخدام “الكمبيوتر” حكمة يعلمها الكبار”، وقد هالني أمر هؤلاء.. فهل يُعقل أن يقتدي شاب صحيح في طعامه بمريض الضغط والسكر؟؟!! على رواد الفكر أن ينتبهوا لمثل هؤلاء، فهم شباب متقمصون هيئة شيوخ، خالوا أمراض المعدة صحة وعافية، وتشبهوا بالمرضى وخاصموا الأصحاء، فلتبذل الجهود في تحرير أولئك الشباب من حالة "التمارض الفكري".

إنني أكن احتراماً بالغاً لجدي لأنه اعترف أن عقل جيلنا يختلف عن عقله، وأننا الأقدر على التعامل مع أدوات العصر، فضلاً عن إنتاج أفكاره، ولطالما نصحنا بأن نأكل جيداً قبل أن تضرب معدتنا عن العمل، ولا أذكر أنه دعاني قط للسير على نهجه في الأكل بعد أن صار مسناً، فليس عيباً في الجد أنه كبر، لكنني أعتب على ذلك الشاب الذي يسأل جده أن يعلمه ماذا يفعل إن وجد "فيروس" في "الكمبيوتر"؟؟ فقد تغيرت أشكال وأدوات ومجالات الصراعات، وعلى الأجداد أن يسألونا ... ماذا أنتم فاعلون؟؟!! فهذا عصركم وعالمكم وهذه أدواتكم فأين أفكاركم الناجزة؟!

وعندما يُثبت الواقع عجز أفكار الأجداد؛ يجب أن نترقب ظهور تصورات جديدة، صارخين مع كوبرنيكس، الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، فالتصور الجديد سيخلق ثورة في الفعل، وحينها يجب ألا تتوجه صرختنا نحو الشيوخ، فليُترك الأجداد يمارسون حياتهم التقليدية دون منغصات، خاصة إن كانوا غير مدركين بعد لتفوق الواقع على أفكارهم. على حاملي الأفكار الجديدة أن يديروا أعينهم... وينظروا هناك... على الناحية الثانية من طاولة العَشاء.. هناك حيث تهضم المعدة الأطعمة بشراهة، حيث يبزغ قرص الشمس الذهبي، وحيث يحتشد الجيل الجديد الرائع المتعطش لفكرة جديدة لامعة.

أما العقول التي هرمت، فتحتاج إلى جرعات فكرية مخففة، وإلا أصابها مغص فكري، تليه تشنجات حادة. فقد تبذل عمرك في إقناع الأقدمين بفكرة جديدة ثائرة، فيخدعك خفض رؤسهم تواضعاً لك... لكن انتبه، إنهم يحنون رؤسهم من شدة الألم، واضعين أيديهم على معدتهم، وسرعان ما ينفد صبرهم، وتصبح الأفكار فوق طاقتهم، فتتقيأ معدتهم أفكارك فور انصرافك من أمامهم.
التعليقات (6)add
المقالة
أرسلت بواسطة عمر عاصي , July 01, 2008
المقالة غير عادية .. لا شك في هذا

هناك الكثير من الافكار يجب مناقشتها ثانيا ..

ولكن حقيقة انا لست متأكد من قضية الهرم العقلي .. فهل مثلا الهمة الإيمانية التي كانت موجود في شيوخ المسلمين اقل من الهمة الايمانية التي كانت موجودة في الشباب ؟ ؟

هل الحيوية والدهشة العلمية التي وجدت في اينشتاين لحظات قبل موته تختلف عن الدهشة والفضول الموجود عن اي شاب متفوق وطموح ؟ ؟

لا اظن !!

هلا عرفنا الهرم الفكري مرة اخرى ؟ ؟؟




hالالعراق
أرسلت بواسطة جبار السوداني , June 28, 2008
بسم الله الرحمن الرحيم
ولكم في الحياة قصاص ياأولي الالباب


غير عادي
أرسلت بواسطة عبدالرحمن عياش , June 28, 2008
مقال غير اعتيادي
رائع و مبدع و حقيقي و منطقي و متوازن و يرضي كل الاطراف
تحياتي يا مهندس smilies/smiley.gif

شكرا
أرسلت بواسطة moooh الجزائر , June 26, 2008
أهلين حبيبي مشكوووووووووووووووووووووووو وووووووووووووووووووور
...
أرسلت بواسطة محمد علي , June 26, 2008
صورة رائعة ومقال أروع .. هي الثقة بالنفس عادت الينا
شكرا يا هندسه
أرسلت بواسطة عبدالرحمن منصور , June 26, 2008
مقاله عبقرية وجميلة ورومانسية

أتت في وقتها
وأكدت علي ...

ان الافكار الحقيقية المؤثره الجديدة هي التي ستنجح
أما أفكار هؤلاء الذين يحاولون الاتساق مع أفكار الأجداد

فهي ستذوب وسط البركان
الثائر
القوي
الواقع مستقبلاً

شكراً يا باشمهندس يا جميل....يا وائل
أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote
smile
wink
laugh
grin
angry
sad
shocked
cool
tongue
kiss
cry
smaller | bigger

busy
 
< السابق   التالى >
الجزيرة توك
ثورة الأفكار
حديث المدونات


Flickr Facebook Ikbis

الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع