إبراهيم بوعزّي ـ الجزيرة توك ـ باماكو
إمبراطورية صونغوي مركز الحضارة الإسلامية جنوب الصحراء الكبرى. مملكة مالي وعاصمتهاتمبكتو مركز غرب الصحراء ومملكة الرجال الزرق. المخطوطات العربية القديمة بتمبكتو العاصمةالعتيقة. رائحة البخور والعطور تعبق من أعماق تاريخ وحضارة تلاشت ولم يبق منها سوى أسماءورموز وذكريات خافتة تتراقص كسراب فوق رمال الصحراء الكبرى. العاصمة الجديدة باماكو أو "ظهر التمساح" في اللغة البمبرية ترقد حزينة جنوب الصحراء، يشقهامن الوسط نهر النيجر دائم السيلان في صمت وهدوء يحكي خطو العير وحداء قوافل الطوارقالمحمّلة بالملح والعاج وريش النعام وبيضه.
وتعول الرياح في عنان السماء يخالطها أنين عبيد وآهات إماء كانوا يقادون في الماضي إلىالشمال حيث السّخرة المقيتة أو الموت الرهيب. وتلفح الرياح الوجوه في أبرد شتاء بالبلاد منذ سنوات. وقد أخبرنا الشيخ عبد العزيز وعليه جبّةغليظة وهو يرتجف من البرد أن الحرارة نزلت في هذا الفصل إلى عشرين درجة ونيّف. وبعد أن تأكدنا من تسليم الأبقار إلى فقراء المدينة يوم عرفة جاءنا الشيخ بما جاد به موسم الشتاءمن أحلى أصناف البطّيخ في مالي أيتنا على نصفها بنهم شديد ثم خرجنا نتحسّس الأسواق ونكتشفأحوال البلاد والعباد. لم يبق من مملكة صونغوي المجيدة غير القليل من الملثمين من الطوارق والقليل من الكلمات العربيةفي أكثر من خمس لغات محلية طغت عليها لغة الاستعمار الذي انسحب بعد أن سلخ من الناس الجلدوالعظم والهوية واللغة لكنه لم ينل من دينهم إلا النزر القليل. الكل هنا يتحدث الفرنسية بلكنة إفريقية لطيفة لا تميّز فيها الفرق بين كلمتي مائةCentوخمسةCinq فأصبح كلاهما "سان" بترقيق خفيف دون عنّة أو استدارة خلاف ما تعلمناه من مدرّسناالفرنسي جون لوي أمارجي قبل عشرين عاماً في مدينة القصرين غربي تونس. دخلنا السوق أنا وصديقيّ التركيين محمد ولقمان وكنت أترجم لهما ما أستطيع فك ألغازه من الفرنسيةالمكسّرة في شوارع باماكو وكان محمد يستغرب انتشار القاذورات في كل أرجاء المدينة أما لقمانفكان يستنكر على النساء كشف أكتافهنّ وأفخاذهن بكل براءة وكأن الكل هنا إخوة أو محارم. وماراعني إلاّ وثدي أسود قاتم يتدلىّ فوق كوم من الطماطم اللائثة في سوق الخضر والفواكه حيث كنّا نحاول استيعاب قيمة الفرنك الإفريقي بعد أن اشترينا قليلا من الفواكه من صاحبة الثدي الأسودالرهيب. وأخذنا باقي الألف فرنك ولذنا بالفرار من هول المنظر وهي تحاول ببراءة الأطفال أنتقنعنا بشراء بعض الطماطم والخيار. وفي السوق سألت أحد الأطفال عن كلمة أخي بلغة البمبرة أكثر لغات مالي انتشاراً بين العشائر. فقال لنا الصبي بفرنسيته العجيبة "نتيريكي تعني أخي في اللغة البمبرية" وسجّلت الكلمة في دفتريالصغير وذهبنا إلى دار الضيافة حيث نقيم. وصبيحة يوم العيد توجّهنا إلى مكان ذكاة الأضاحي التي تبرّع بها أهل البرّ والإحسان من تركيالصالح فقراء مالي. وقدمنا نحن للوقوف على عملية الذبح التوزيع. وبدأت المذبحة واشتدّ وطيسها.وأمستُ بسكين طويلة وهيت بها على رقبة العجل المقيّد بكل ما أوتيت من قوة وتلتها بقراتوخرفان أغرقت الساحة في واد من الدماء المباركة تحكي لون العلم التركي وأحد الألوان الثلاثةفي علم مالي. وبعد تقطيع اللحوم فتحنا الأبواب لتوزيعها على الفقراء، ووجدنا أن الازدحام والشدّ والجذب والدفعوالرفس الذي كنا نراه على الشاشات لا مكامن له بين أهالي مالي الهادئين الوديعين المنضبطينالمنظمين. وبدأ الشيخ عبد العزيز يناديهم اسماً اسماً كل يتسلم نصيبه مما كتب الله له قائلاً بلكنةإفريقية حلوة جزاكم الله خيراً. ونردّ عليه نحن بالبمبرية "إي سامبي سامبي" وتعني عندهم عيدكممبارك. إن هؤلاء الزنوج قاتمي البشرة فاحمي الوجوه أعزّ ما رأيت نفساً في كل بلاد زرتها. جياع يتسولونولكن من بعضهم بعضاً وليس من ذوي البشرة البيضاء مثلنا. وإذا أردنا التقاط صورة ما أصابهمالذعر وتفرّقوا قائلينne pas prendre notre photo svpوتركوا المكان لتصويره خالياً. إنها عزّة النفس المالية حيث لا يقبل سليل إمبراطورية صنوغوي العظيمة أن يكون فُرجة بين أيديالأجانب حتّى ولو كانوا من أبناء دينه مثلنا. وما استغربت منه أكثر في هذه المدينة المزدحمةالمختنقة في دخان المازوط أننا إذا ألقينا السلام على أحدهم يردّ علينا بابتسامة قائلاًSalut بدلاًمن قوله "وعليكم السلام".سأنا الشيخ عبد العزيز المنسق لرحلتنا وعضو المجلس الإسلامي الأعلىبمالي عن السر، فأشار مبتسماً إلى ملابسنا أنها هي سبب عدم ردهم السلام، وأضاف إن أهل البلدلا يميزون بين بيض البشرة إلاّ من خلال ملابسهم فإذا كان أحدهم يلبس قميصاً عربياً وعمامةردّوا عليه السلام وحاولوا الحديث معه بما يعرفون من كلمات عربية علقت بأذهانهم ممّا درسوهفي الكتاتيب، أما إذا كان الرجل الأبيض يلبس لباساً غربياً مثلنا فيخاطبونه بالفرنسية ظناً منهم أنهغير مسلم. وبعدها قلت للشيخ عبد العزيز ملاطفاً إياه "نتيريكي" أي نحن إخوة كما علمني إياها الصبي الماليفي السوق، ابتسم الشيخ بهدوئه المعهود وأجابني بعربيته الفصحية الرائعة: "لا لسنا أصدقاء فقطيا أخي بل نحن إخوة" واستغربت جواب الشيخ إذ ينفي ما أقوله ويؤكّده في آن معاً. فسألته أليست"نتيريكي" في البمبرية تعني يا أخي؟. فقال: "هي تعني يا صديقي، ولكن يا أخي في لغتنا المحليةفهي مباليماكي" وأردف: "سائلاً من علّمك هذا؟" فقلت له: "لقد سألت صبياً في السوق عنها. فقالإنكّ سألته وأنت تلبس سراويل إفرنجية فاستنكف من أن يكون أخاً لك، واعتبرك مجرّد صديق.وحينها عرفت أن الخطأ ليس من والصبي ولكنه في ما ألبسه من ثياب لا تعبّر عن هويتي بلعن هوية غيري
التعليقات
(2)
ليبيا اوباري أرسلت بواسطة الهادي الترقي , November 20, 2007
انا اتمنا ان يكون هنك صور للطورق واغاني لهم وانا اتمنا ان يكون هنك متدة للطوارق فقط ويتكلمون بي اترقية
ليبيا اوباري أرسلت بواسطة الهادي الترقي , November 20, 2007
انا اتمنا ان يكون هنك صور للطورق واغاني لهم وانا اتمنا ان يكون هنك متدة للطوارق فقط ويتكلمون بي اترقية