|
أحمد موفق زيدان ـ الجزيرة توك
تابعت التغطيات الإعلامية لما يجري في لبنان،ربما من حق أي وسيلة إعلامية أن تتخذ موقف مؤيدا أو معارضا لحدث معين، ولكن عليها بالمقابل أن تعلن عن موقفها هذا دون أن تُلبس على المشاهدين في أنها تمتهن الاحترافية والمهنية، بينما تمارس النقيض، طبعا هنا لست في صدد مناقشة هذه النظرية وصحتها من عدمه، ولكن على الأقل ثمة وسائل إعلامية أميركية محترمة تعلن وتفصح عن تأييدها لحرب ما، أو لمرشح رئاسي ما، دون التلبيس على المشاهدين، ولا تجد غضاضة في الاعتذار عن موقف ثبت خطؤه كما حصل مع النيويورك تايمز في العدوان على العراق ..
توقفت عند محطات مهمة في هذه التغطية من قبل فريقين إعلاميين يمثلان طرفان سياسيان، أعتقد أنها محطات لافتة في استبطانها والغوص فيها سيما على أيدي خبراء إعلاميين كون هذه المسألة في غاية الأهمية لأنها تمس حياتنا وحاضرنا ومستقبلنا وتمس أرواح وأوطان وبالتالي من الصعب أن يتم المرور عليها مرور الكرام، دون الغوص فيها ومعرفة دلالاتها وانعكاساتها ....
تلفزيون المستقبل التابع لزعيم تيار المستقبل سعد الحريري يقتطع من الشريط الصوتي الأخير لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن هجومه وانتقاده لزعيم حزب الله حسن نصر الله ويتهمه بأن حرب تموز التي قادها كانت حربا للدفاع عن النفس وليست لتحرير فلسطين، كما يتهمه ابن لادن بالسماح للقبعات الزرقاء لتقيم بدور العازل والمصد في وجه المقاومين المسلمين الذين يريدون قتال الصهاينة، مثل هذه المقتطفات من حديث ابن لادن لم يكن ممكنا أن تجد طريقها إلى تلفزيون المستقبل في الظروف العادية والطبيعية، خصوصا ما يتعلق بالشأن اللبناني، تخيلوا لو كان الشريط الصوتي لبن لادن أيام حرب تموز هل كان بمقدور المستقبل أن يبثه ويقتطف مثل هذه العبارات البن لادينية المدينة لنصر الله ...
صحيفة السياسة الكويتية نفس الأمر، اقتطعت ما يناسبها من التسجيل الصوتي وهاجمت حسن نصر الله، وكأنها ليست الصحيفة التي تهاجم جماعة بن لادن وكل ما له علاقة به، وأبرزت ذلك ، على الطرف الآخر تجاهلت قناة المنار التابعة لحزب الله كلمة بن لادن، ولا أدري كيف ستكون تغطية المنار لو انقلبت الآية بمعنى لو هاجم بن لادن فريق الأغلبية والموالاة؟؟ هل كانت ستتخذ نفس الموقف؟؟؟ أم أنها ستنحو ما نحاه تلفزيون المستقبل...
وهنا يحق لبعض المشاهدين على الأقل أن يشكك أو يتثبت مما لا نسبته قناة المنار إلى القائد السابق في جبهة الانقاذ الجزائرية المنحلة علي بلحاج من تأييده ومساندته لحزب الله، سيما بعد الخبر الذي نشرته جريدة الشرق الأوسط السعودية حين نقلت عن مركز البحوث التابع للأزهر نفيه أن يكون قد أيد ودعم المقاومة وحزب الله كما روجت المنار، وهنا نعود إلى نقطة مهمة كيف يمكن اجتزاء الأخبار وكيف يمكن تطويعها لخدمة السياسي والأغراض السياسية ، ومالذي يمكن تصديقه ومالذي يمكن أن يشك فيه، ومالذي يخفيه حارس البوابة الإخبارية عن المشاهدين، كل ذلك قد يشكك المشاهدين بصدقية الوسائل الإعلامية، وإن كان المشاهدون عادة ما يعرفون أن هذه الوسائل الإعلامية تابعة لفرقاء سياسيين، ولكن يبقى الخبر المعلن على هذه الوسيلة أو تلك من الصعب تكذيبه لدى المشاهد للوهلة الأولى إلا إذا ظهر له وبحث وفتش وهو لا يستطيعه كل شخي ، لا يستطيع تكذيبه كونه خبرا وليس رأيا يحتمل قولان...
على صعيد الحدث البيروتي نفسه تجاهلت المنار تماما الهجوم الذي حل على زملائها في تلفزيون المستقبل، حين هوجم وأحرق وانقطع البث فاضطر تلفزيون المستقبل إلى الرحيل بعيدا عن بيروت الغربية، مع التذكير هنا أن الصحف اللبنانية ومنها النهار لم يتم التعرض لها أبدا طوال الحرب اللبنانية الأهلية ، ولا حتى أيام اجتياح المجرم أريل شارون بيروت ...
شاهدنا على المنار مشاهد عبوات الخمور في تلفزيون المستقبل والتشهير بتيار المستقبل، لا أدري مالذي يحويه التلفزيون التابع لميشيل عون؟؟؟ ، وبالتالي مثل هذه المشاهد فيها تسطيح لعقلية المشاهد الذي غدا أمام آلاف المحطات الفضائية التي بإمكانه أن ينتقي منها ما يشاء، ولا يمكن خديعته بسهولة ...
ربما تلفزيون الجديد ومديرة أخباره مريم البسام التي حضرت المؤتمر الصحافي لحسن نصر الله كانت النشاذ الوحيد، فبينما اقتصر الحاضرون على الإشادة بنصر الله والتمجيد به، رأينا الصحافية مريم البسام كيف توجه أسئلة دقيقة لنصر الله، طبعا تلفزيون الجديد كان التلفزيون الوحيد المسموح له بأن يتنقل بين متاريس المعارضة والموالاة وذلك مؤشر إيجابي،يحسب للطرفين الموالاة والمعارضة أيضا ،فهو يوفر سماع وجهتي نظر الطرفين وتحديدا لبعضهما بعضا دون واسطات أو تحوير وتزييف ...
وفي الوقت الذي تمترس السياسيون خلف مواقفهم المؤيدة أو المعارضة نرى إعلام الفريقين تمترس هو الآخر خلف مواقف وسياسات فريقيه، وهو ما سيصب الزيت على النار أكثر وأكثر، فكل كاميرا تلفزيونية تابعة لفريق تتجول وتنقل مشاهد فريقها بعد أن منع عليها أو تعذر عليها دخول منطقة الطرف الآخر ، وهنا ظهر إعلام الفريقين كمن يحكي مع نفسه أو يمارس مونولوجا إعلاميا، وليس إعلاما تفاعليا يمكن أن يقود إلى حل أو تسوية، أو عربة تفاوضية بين فرقاء متخاصمين .... فالحرب مبدؤها كلام هكذا قال نصر بن سيار شاعر العرب، فكيف من يروج لها ويبرر لها وهو الإعلام.. الشاعر العربي الجديد في هذا الزمن ..
|