|
مريم عيتاني – الجزيرة توك – بيروت
حان الآن وقت الختام.
تعود إلى اليوم الذي تركت فيه مذكراتك وتدويناتك، يوم كان قد مضى بضعة أيام على "عز" الأحداث ... يومها عادت الحركة إلى الشوارع رغم انتشار الجيش، وخفتت أصوات الرصاص ولم يعد يسمع إلا خطابات السياسيين وتصريحاتهم.
ثم مضت بضعة أيام أخرى، وأكرمنا الله جزاء صبرنا على عضوية في جامعة الدول العربية لمدة تفوق الخمسين عاماً، فمنّ علينا بالحوار الوطني اللبناني في الدوحة، وأراحنا من "رؤسائنا"، عفواً أقصد أراح "رؤساءنا" منا، لبضعة أيام أخرى.
وقال جميع اللبنانيين: "اذا ما اتفقوا ما يرجعوا"... كان اللبنانيين ينتظرون لحظة رحيل "الرؤساء"، وما ان مرت حتى بدأوا يكلمون بعضهم البعض بنبرة ساخرة ضاحكة، لكن بنفس الوقت تعكس الكثير من معاناتهم: "الزعما فلوا من لبنان"، وكأنهم بتعابير وجههم يكملون الشطر الثاني من الأغنية: "وكبرت فينا فرحتنا ... صار فينا نعيش بأمان – وصارت جنّة دِنْيِتْنَا (دنيانا)".
***
كان الجميع يخشى أن يعود هؤلاء "الزعماء" أية لحظة بخفّيّ حنين كعادتهم في كل حوار، فالأخبار غير مطمئنة: ... ساعة اتفقوا، ساعة ما اتفقوا ... فلان بيهدد ينسحب ... وفلان بيهدد ينسحب ... فلان صار مهدد أكتر من مرة أنه لح ينسحب ... جربوا معهم بالرشاوى، لنشوف اذا حيمشي الحال ... أصواتهم طالعة خارج القاعات، شرشحونا ... أمير قطر أكيد ندم عالساعة اللي جابهن فيها ... و: معقول يتفقوا؟
نعم ... هم فعلاً اتفقوا ... ابتهاج "صاخب" ككل الابتهاجات التي كانت ترافق خطب الزعماء، أحيانا بالرصاص وأحيانا بالمفرقعات "القوية" ... واليوم مساءً سيصلون، والكل ينتظر قدومهم بقلق وترقب، أشبه بغير مصدقين أو خوفا من أن يغيروا رأيهم أو يعودوا لـ "لبنانيتهم" ...
وغداً، يا غداً، سيصبح عندنا يوم الأحد رئيس بعد طول انتظار ... وبعدها، يا بعدها، إن مر كل شيء على خير، سيصير عندنا حكومة "شرعية عند الجميع"، وستجرى الانتخابات النيابية ... لكن السؤال الوحيد الذي سيبقى عالقاً، وهو المسألة الأساسية التي تسبب الأزمة، هو علاقة سلاح التنظيمات بما فيها حزب الله بالدولة.
***
وفي "ما بعد الأيام الصعبة" و"ما بعد الاتفاق"، قد تكون أهدأ بالاً لتفكر بالموضوع بجدية أكثر: سلاح حزب الله ... تستجمع ذاكرتك وعقلك، وتسأل، ترى أين أصبح سلاح المقاومة بعد الأحداث الأخيرة، وتسأل أيضأ عن مدى الشبه بين ما جرى بالأمس القريب في فلسطين، وما جرى اليوم في لبنان.
وتفكر، ترى هل لكان الوضع سيختلف لو أنك كنت تحيا في بلد آخر، ولو أنك لم تر ما رأيت ولم تعان ما عانيت؟ هل كنت ربما عذرت حزب الله؟
وهل -وأنت اليوم قد رأيت ما رأيت وحصل ما حصل؛ وأنت أيضاً من لم ير في ذاته غير المقاومة، هل سترى نفسك مطالباً بنزع سلاح حزب الله ان لم يوافق على ضبطه مثلاً؟
وتعود إلى الماضي وتسأل أيضاً هل كان عذرك لحماس مبرراً أم كان خطأ في حق الشعب الفلسطيني، رغم كل الفوارق بين المشهدين؟ أو إن لم يكن خطأ فهل كان سوء تقدير، لواقع لم تحياه بنفسك؟
***
وتسكت لتختم تدوينتك، وتختم هذه الفترة من حياتك ...
تقول: لم يعد كل هذا مهما الآن... لقد وقفوا وقالوا أن الجميع تعهد بعدم العودة إلى السلاح في الداخل. لكن، هل حقاً طي صفحة الأحداث بهذه السهولة؟ هل يعون يا ترى ما وراء الهدوء الحذر الذي يسود كل شيء في بيروت؟ هل يحسون بالشحن الطائفي الرهيب، بين تلاميذ الصف الواحد بل وأبناء الحي الواحد والبناية الواحد؟ وهل يعيدون الكرة مجدداً، مثل الطائف عندما طووا ملفات الحرب في عجلة وكل ما حرصوا عليه كان مناصبهم و"تقاسمهم" للبلد، فكان أن شبت النار مجدداً؟ فهل يا ترى ستشب النار مرة أخرى، او بالأصح، متى يا ترى ستشب النار مرة أخرى؟
|
قبل سنوات كنتم تطبلون وتزمرون للمقاومة ضمن الالتفاف الشامل للشعب اللبناني حولها، واليوم .. 180 درجة عكس التيار. ولكن مهما تناهقتم أو تنابحتم فلا أثر للنهاق أو النباح في عزيمة الرجال.
وعلى أية حال، لقد كان في خطاب ميشال سليمان الجواب الكافي لك ولأمثالك حول قضية السلاح.. اعتبري وإلا ابحثي لك عن العربية توك، فلا مكان لك في الجزيرة.