|
اليومين الرابع والخامس: تكتمل العناصر ... يكتمل القلق |
|
|
|
12/05/2008 |
مريم عيتاني - الجزيرة توك - بيروت
صباح الأحد في بيروت، يصلح لصباح مثالي من أيام الحرب الاهلية. من أيام الهدوء في الحرب الاهلية أقصد. وأقصد مرة أخرى، الهدوء في بيروت، حيث أن الاشتباكات كانت لا تزال دائرة في عدة مناطق؛ يستيقظ فيه الأهالي بحذر. ينفضون عن أنفسهم غبار الأيام التي قضوها في منازلهم. يفتحون النوافذ والشبابيك. ينزلون إلى الشوارع والدكاكين. يسلّمون على بعضهم البعض. يتبادلون عبارات الاطمئنان والاخبار. يتزاورون. يضحكون. وبين الفترة والفترة يعودون لواقعهم وللتوتر السائد، فمن الصعب أن ينسوه والجيش منتشر بكثافة في كل الأماكن والطرقات.
ويحكون لبعضهم البعض، حكايات الأيام الثلاث التي مرت عليهم، فيكشفون ما علق من جراحات بسيطة غضة، ولكل منهم حظ منها تقريباً. هكذا تكتمل العناصر، وأهمها عنصر الشحن للأسف اذا ان وسائل الاعلام لا تزال مشغولة في ما يحصل حاليا، وكافة اجهزة الدولة معلقة، ولا يبقى للمواطنين الذين عانوا في هذه الاحداث أو خسروا شخصا عزيزاً أو منزلا، إلا مثل هذه الجلسات والأحاديث.
حكايات الأيام الثلاث ... روايات الطرف الواح
ومع تحفظي على استخدام عبارة "روايات الطرف الواحد" إذ أن الطرف الآخر في هذه الأحداث من شبه المستحيل محاورته الآن، حيث أنه أولئك المقنعين في الشوارع والمستخفين بحرمات الاقتتال الداخلي. وهؤلاء ليسوا حكراً على طرف من أطراف الاقتتال. وحكايات الأيام الثلاث هنا، هي ما يرويه الأهالي عن مشاهدتهم ... وهي في عدة أحيان صور التقطتها كاميرات الجوال، أو صور صعب التقاطها فحاولت تجسيدها الكلمات.
وسرديات الأخبار والخطابات ... بين السبت والأحد: لا جديد
ورواية أخرى جامدة وصلبة للأحداث، خالية مما يصفه الناس، وقريبة للرسميات، لكن لا غنى عنها دائماً.
بداية، فقد كان ساد هدوء حذر صباح السبت، استغله البعض للعودة إلى أعمالهم أو إنجاز ما هو مستعجل منها، رغم أن الطرقات كانت لم تزل بمعظمها مقطوعة والمطار لا زال مغلقاً. كانت الاشتباكات خفت كثيراً في بيروت بعد سيطرة مقاتلي المعارضة عليها، مع تأكيد العديد من شهود العيان أن الأخيرين لم يلقوا أي مقاومة تذكر في سيطرتهم على الاحياء والمراكز التابعة للموالاة تحديداً لتيار المستقبل، تلعب في ذلك عدة عوامل لعل أهمها ما اتهم به البعض الجيش من عدم الحيادية أو بالأصح الحيادية السلبية، وهو سؤال أكبر من أن يطرح كسطر في موضوع أو كحديث شهود، ويستأهل بحد ذاته المزيد من التحقيق والتأكد. وهو أيضا سؤال لا مجال لطرحه في الوضع الحالي، فآخر ما يتمناه الجميع هو انقسام الجيش في بلد لا رئيس فيه ومجلس نوابه معطل وحكومته منهكة يتهمها الكثيرون بعدم الشرعية.
ظلت الأنباء تتوارد عن اندلاع او اشتداد الاشتباكات في عدد من المناطق، خاصة الجبل والشمال، فيما التوتر الحذر لا يزال يسود في شوارع بيروت. وكانت الأعين كلها على حدث واحد، هو اعتصام الصحفيين عند الحادية عشر تضامنا مع صحيفة المستقبل وتلفزيون المستقبل، لكن حدثاً آخر لاحق أخذ الانظار وهو مسيرة تشييع أحد الذين سقطوا خلال الاشتباكات، حيث حدثت مشادات تبعها اطلاق نار أدى الى سقوط المزيد من القتلى والجرحى، وخسرت العائلة التي كانت تشيع ابنها، ابناً آخر.
شلل مجدداً في الحركة ... وانتظار... عند الثانية ظهراً سيكون هناك خطاب لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة. كان الخطاب هادئاً وحاسماً في الوقت ذاته. ورغم أن المعارضة أحرزت نصراً في معركة الشوارع فإن الموالاة أحرزت حتى الآن نصراً في معركة المعنويات وكسب الأطراف الثالثة إذ عكست في مواقفها مرونة لما تقتضيه المصلحة الحالية لتهدئة الاوضاع، في حين بقي موقف المعارضة تصعيديا، وبرز ذلك في خطاب النائب حسن خليل، الذي أعلن فيه سحب كافة المظاهر المسلحة من الشوارع مع ابقاء العصيان المدني.
كانت هذه النقطة التي حيرت الجميع. هل هي النهاية أم ماذا؟ وان كانت النهاية فهي نهاية ماذا، وما هو تعريف المعارضة للعصيان المدني تحديداً اذا انها تحت اسم العصيان المدني كانت قامت سابقا بكل ما قامت به؟ وهنا كان على اللبنانيين مجددا الانتظار، لكنهم لم يحتاجوا طويلا ليدركوا أن فتيل الاشتباكات المشتعل في المناطق لم يهدأ ولعله يحتاج إلى أكثر من الخطابات والمواقف للتهدئة.
وكان الأحد الجواب، خاصة في فترة بعد الظهر، حيث كانت الاشتباكات في الجبل والشمال محتدمة. الخطابات والمواقف لا تزال على حالها من الكثرة، وأضيفت اليها العديد من التحركات والمواقف الخارجية والدولية، والتي كان آخرها تحرك البارجة الاميركية كول، واتصال الرئيس الفرنسي ساركوزي.
الآن، صرت تدرك أكثر صعوبة حصر الأخبار في أحداث مشابهة، بل وتتسائل عن جدوى فعل ذلك أحياناً فالمشهد المتكرر ذاته من اشتباكات، والمواقف السياسية، التي لا تفلح في تغيير واقع، على اختلافها.
الآن، تصبح الأخبار روتيناً في حياتك وصوت المذيع مألوفاً عندك أكثر من أي صوت آخر.
تخفته أحياناً وتكتفي بمجرد النظر الى الوجوه والصور. ترفعه أحياناً أخرى.
تطفأه مع انتهاء اليوم، وتتمتم في نفسك:
غداً يوم عطلة أيضاً. غداً أيضاً يوم انتظار.
غداً يوم آخر.
ربما!
|