|
دموع الحرية لسامي الحاج (1) |
|
|
|
08/05/2008 |
أحمد منصور - الجزيرة توك
لم أصدق عيناي مثل معظم الناس وأنا أشاهد الزميل سامي الحاج عبر شاشة قناة الجزيرة وهو يخرج فجر يوم الجمعة الثاني من مايو من الطائرة العسكرية الأمريكية التي أقلته مع سودانيين آخرين إلى الخرطوم بعد أكثر من ست سنوات قضاها ظلما وعدوانا في سجن جوانتامو أسوأ سجون العالم ، مسحت دموعي وأنا أشاهد سامي يضم ولده ويقبله بعدما فارقه وهو طفل لا يزيد عمره عن أربعة أشهر ليراه وقد قارب السابعة.
كان انتظار الصباح بالنسبة لي أمرا طويلا حتى أبحث عن أول طائرة متجهة إلي الخرطوم حتى أذهب لتهنئة سامي وأهله علي سلامته، لا أذكر أني التقيت سامي الحاج من قبل رغم أنه قال في أحد محاضر التحقيق التي سئل فيها عني من محققي معتقل جوانتانامو أنه التقى معي مرة واحدة فى أحد ممرات الجزيرة وألقى علي السلام ورددت عليه لكننا لم نتعرف ، لكني عرفت سامي وتعرفت عليه خلال سنوات سجنه وصبره وصموده ورجولته في سجن جوانتامو من خلال لقاءاتي العديدة مع محاميه البريطاني كليف ستانفورد سميث ومن خلال متابعتي كزميل له يتابع قضيته عن قرب.
لكن الذي لم يعرفه كثير من الناس أن سامي الحاج حقق معه عني أكثر من مائة مرة من جلسات التحقيق المائة والخمسين التي عقدت له ، وكان المطلوب منه شيئا واحدا أن يدعي على أحمد منصور وعلى زملاء آخرين يعملون في قناة الجزيرة أننا على صلة بتنظيم القاعدة ونروج له من خلال قناة الجزيرة مقابل الإفراج عنه ، ليكون هذا دليلا يستخدم ضمن بنود الأدلة السرية التي تعتمدها الإدارة الأمريكية فى محاكمة من تشاء من الناس حتى يتخذه الأمريكيون ذريعة للانتقام مني بعد تغطيتي لمعركة الفلوجة الأولي التي انتقدوني عليها بشدة بشكل معلن في المؤتمرات الصحفية وعلي شاشات التلفزة ، وأخذوا يبحثون بعدها ولازالوا علي فرصة للانتقام مني وإيذائي رغم أن أي صحفي حر ومهني وشريف لن يفعل أقل مما قمت به لأني لم أقم بشيء سوي نقل الحقيقة عبر شاشة الجزيرة لكن الحرب التي تشنها إدارة بوش هي حرب على الحقيقة ، وكانت الضغوط على سامي الحاج واحدة من الممارسات التي قاموا بها ، لكن سامي الحاج كان رجلا وأبى أن يشترى حريته بالكذب والافتراء والادعاء بالباطل على زملاء له وقد رويت القصة كاملة في كتابي " معركة الفلوجة " لذلك احتل سامي فى نفسي ونفوس الكثيرين مكانة الرجل الصادق مع نفسه والأمين علي زملائه حتى وإن كان لا يعرفهم وكان على أن أكون وفيا له وأن أكون من أوائل الذين وفدوا إلى السودان لتهنئته على سلامته .
وصلت إلى الخرطوم علي أول طائرة غادرت من الدوحة وكنت بعد ساعات أعانق سامي في مستشفي الأمل في الخرطوم التي كان عشرات من الناس يقفون خارج أسوارها جاؤوا من كل مكان لتهنئة سامي الحاج علي السلامة ، كما قام الرئيس الرئيس السوداني أحمد حسن البشير ونائبه علي عثمان محمد طه وكل أركان الدولة السودانية بزيارة سامي وتهنئة بالوصول سالما ، وربما كان الرئيس السوداني هو الرئيس العربي الوحيد وأركان حكومته الذين قاموا بزيارة معتقليهم الذين خرجوا من معتقل جوانتانامو وأخرجوا من كان معافى منهم من المطار إلى منازلهم حيث عاد وليد الحاج وأمير يعقوب إلى بيوتهم ، بينما ذهبوا بسامي إلى مستشفي الأمل حتى يتعافي من آثار إضراب عن الطعام استمر أربعمائة وثمانين يوما كان يغذي خلالها قسرا من أنبوب وضع في أنفه حتى يصل إلي معدته ، بينما معظم الدول العربية الأخرى التي كان لها معتقلون في جوانتامو أفرج عنهم وضعتهم رهن الأعتقال فور وصولهم أو لايعلم أحد عنهم شيئا وكأنهم خرجوا من جوانتامو الأمريكي إلى جوانتانامو فى بلادهم .
وصل سجناء جوانتامو السودانيين الثلاثة إلى مطار الخرطوم على طائرة عسكرية ضخمة كانت الثانية حيث هبطت بهم الطائرة الأولي التي أقلتهم من جوانتاما في كوبا في إحدى الدول قال سامي إنهم علموا من خلال الأحاديث أنها العراق ، ثم أقلتهم هذه الطائرة إلي الخرطوم ومعهم المعتقل المغربي الذي لا يعلم عنه أحد شيئا بينما أقلت طائرة أخرى السجناء الأفغان الخمسة إلي أفغانستان ، وكان الهلع يسيطر علي الأمريكيين حتى اللحظة الأخيرة ، فالحراس الذين كانوا يحيطون بسامي الحاج داخل الطائرة كانوا يزيدون عن ثلاثين حارسا من الحراس الأشداء بينما كان هو هزيلا من إضرابه عن الطعام ولا يستطيع أن يتحرك مقيدا إلي كرسي فى الطائرة طوال ساعات الرحلة التي بلغت حوالي ثمانية وعشرين ساعة ، والأغلال في يديه ورجليه ومغمي العينين ، ومع ذلك حينما قاموا بإنزاله من الطائرة أنزلوه محمولا لأنه لم يكن يستطيع المشي لكن العجيب أنه كان مقيدا ولكن بقيد آخر غير ذلك القيد الغليظ الذي كان مكبلا به طوال الرحلة ، وقد رفضوا أن يفكوا قيده حتى يسلموه إلي السودانيين لأنهم كانوا يخشون منه ، وقد أبلغني بعض الذين كانوا حضورا في المطار أن وفد السفارة الأمريكية في السودان الذي كان يقف في المطار في انتظار الطائرة شعر بالخزي جراء هذا التصرف غير الإنساني الذي نقل علي شاشات التلفزة وانتحى جانبا ، أما أول شرط من شروط الأمريكيين قبل هبوط الطائرة هو إبعاد قناة الجزيرة من ساحة المطار حتى لا تقوم بتصوير اللحظة الأولي التي يطأ فيها سامي أرض السودان بعد هذه السنوات الطويلة التي قضاها في سجن جوانتامو وكانت تهمته أنه كان يحمل كاميرا الجزيرة ... وقد روى لي سامي على مدى ساعات وأكثر من جلسة قصصا وروايات كثيرة عن سنوات الألم والرعب في جوانتامو سأروي لكم بعضها في الأسبوع القادم .
|