|
بيروت اللقاء ..ذاكرة للنسيان .. |
|
|
|
08/05/2008 |
|
ودخان يخفي كل تفاصيل المشهد والألوان
مريم عيتاني - الجزيرة توك - بيروت
"أللقذيفة أحفاد؟ نحن ...
أللشظية أحفاد؟ نحن ..."
وهكذا "بيروت اللقاء" كانت اليوم على موعد جديد؛ بل كانوا، والتقوا؛ أحفاد الرصاص والشظايا... ومن شدة الدخان ما عدنا نعرفهم من أنفسنا. وتتفاجئ أنت حين ترى ابنة السنوات الثلاثة عشر التي عرفتها طيلة السنوات التي خلت طفلة خجولة مهذبة، واقفة على باب عمارتها، تحمل في يدها عصا وتجمع مع أخيها الأصغر كومة من الحجارة. تسألها: ماذا تفعلين هنا؟ فتجيبك أن والدتها عالقة في صيدا وأنها تخشى أن يهجموا عليها فنزلت مع أخيها للاستعداد. تسألها: وأين والدك؟ فتجيب: في الأعلى، نائم.
وتعجب كيف صارت هي ضمنهم هم. أحقاً لبستنا التهمة حتى لبسناها، ووصمونا بالجريمة حتى ارتكبناها؟ ولماذا ينام والدها، ذاكرة الحرب الأهلية والماضي، ولمن يتركها ابنة الثلاثة عشر سنة، في ربيع عمرها، وفي ربيع العام، في بلد لم تعرف هدوءاً أو ربيعاً منذ سنين؟
ولتعرف أكثر أين نحن، تذكّر.
تذكّر كلمات صديقتها بالأمس.
"هل نحن مع الحكومة أم ضد الحكومة؟"
وتذكّر ماذا أجبتها، قلت لها، "نحن ضد الاثنين"
فأجابتك وأسكتتك، "أنا ما بعرف شو يعني حكومة، بس هني بيقولوا مع الحكومة وضد الحكومة."
وتمنيت لو أنك عرفت مثل ما كانت تعرف، أو بالأصح، لو أنك لم تعرف مثل ما انها لم تكن تعرف، لربما كنت أدركت حينها ان وراء الكراسي والأسماء واقع فارغ لا يملؤه إلا حكم حقيقي ولا يستأهله إلا شعب حقيقي.
ولعرفت أنك لست ضدّ الاثنين، وأن الاثنين لولا إدراكك لوجودهما لما كان لوجودهما معنى ولما كان لوجودهما وجود.
أن الاثنين كان من المفروض أن يكونا جزءاً من ذاكرة النسيان،
لكن النسيان أقوى من كل شيء.
وصوت الرصاص والقذائف أقوى. يأتي على كل شيء ويكسر كل شيء. حتى الخوف.
ولا يبقى الا صوت الرصاص المتراشق من أيدي فتيان ربما لم يتجاوز أكبرهم العشرين عاماً؛
ودخان أسود يغمر المدينة في النهار وفي المساء،
ومكبات للنفايات أعلنت قطع الطرقات،
وركام ورمال ... ربما، ربما هو كل ما تبقّى من ركام الضاحية من حرب تموز، لكنه كما سوابقه على الأكثر، صار جزءاً من ذاكرة النسيان.
وتذكر عند النسيان ما نسيت وتنساه دائماً.
تذكر الشعب، فتذكر لاشعورياً المطار، فالشعب أغلبه قد سافر.
وتذكر المطار، ومسألة شبكة الاتصالات التي تم كشفها ]اكتشاف! من قلة شبكات الاتصالات المشابهة[، ومعادلة "يا اما فلان بالمطار يا اما بدون المطار"... بلد ... طرقات المطار مقطوعة؛ ومن بين المسافرين المفترشين للأرض، وكل من تعطلت رحلاتهم واشغالهم، لم يسمح المتظاهرين إلا لاستثنائين، السيدة فيروز وفرقتها القادمة من الولايات المتحدة، وفريق النادي الرياضي لكرة السلة، والمغادر إلى مباراة في الكويت. رياضة وفن ... هي "بيروت اللقاء" ...و: "عيّد يا ولد ... عيد يا بلد"
هل ستغني فيروز مجدداً "خدني على تلاتها الحلوين، خدني على الأرض اللي ربتنا ... انساني على حفاف العنب والتين، إشلحني على ترابات ضيعتنا ... وإمشي على طرقات منسيي، دنية غياب ورح يبيت الطير ... أنطر شي إيد تسلم عليي، شي صوت عم بيقول مسا الخير ... خدني ازرعني بأرض لبنان، بالبيت يللي ناطر التلي ... افتح الباب و بوس الحيطان، واركع تحت أحلى سما وصلي" ؟؟
... أم ستفضّل أن تختار لنفسها أمنية أخرى؟
وأنت تسترسل في شرودك وتصلّي ... فالـ "بلد ماشي على بركات الله" هكذا يقول الجنرال.
لعل الصلاة ضرورية، فكثيرون لا يشاطرون الجنرال اختياره لعبارة "البلد ماشي".
وبين "البلد ماشي" و"البلد واقف" تقف مجدداً لتتوه مجدداً.
قائمة طويلة من المشاكل التي يقولون انها موجودة، وانت من كثرتها فضلت ان تنساها.
أزمة رئاسية؟ حكومية؟ معيشية؟ كهرباء؟ غلاء؟ شحن طائفي؟ اشتباكات؟ جرحى؟
وتعود لذاكرة النسيان.
وتناور: "مشكلتي أن أعرف ما هي مشكلتي"
وتذكر "منهم أخجل دون أن أعرف أني أخجل منهم"
وتسأل: "هل هناك ما يكفي من النسيان كي ينسوا؟"
وتنهكك الكلمات "سيكبرون في التجربة ... في الطائفية لا يكبر أحد ... ليسوا طائفيين بل خائفين" وكل الأحاديث والكلمات.
وتغني:
"لم أمت بعد، ولا أعرف هل أكبر يوماً واحداً
كي أرى ما لا يُرى من مدني؟
لتكن بيروت ما شاءت. ستنساني لأنساها
أأنسى؟ ليتني . . يا ليتني !
أستطيع الآن أن أرجع مني وطني"
وتجذبك أغنية أخرى بالعاميّة كدت تنساها، أغنية فيها ريح أكثر من عبق اللقاء المتجدد، عبق الربيع الذي اختلط فيه الأسود بالأحمر، وعبق نيسان الحرب الأهلية، وعبق "القصة إياها ... لا أكتبها ولا أنساها" ... ولكن من يفكر في الكتابة في هذا اليوم؟
آ . . يا بلد
ما عاد فيكي عيد
وغفّت على البيدر الجبّاني (هنا بمعنى آلة تستعمل في البناء)
وراحوا القهاوي (المقاهي)
ما بقي للمرحبا
إلا طريق السوق بعد الصبح،
وقبل المسا
ساحة الجبّاني! (بمعنى المقبرة) يا بلد
يا عمر ساعة معطّلي
يا وقت اسمه معارفة الوجوه ...
يا بلد يا عيد
نهرب ونتمشى
ورا كروم الرضا
نمشي تيمشي العمر
وقّف وقول: خْطَيّ ! (خطيّ: أنا أخطأت)
يا بن التلات سنين
طلوا عليك الأربعين
شو عرّفك
مش كل ما تركض شوي
بيموت كمشي من الأهل (كمشي: بضع)
وبيضيع بيت من البلد
|