|
أحمد موفق زيدان ـ الجزيرة توك
من أصعب القضايا على المرء أن يكتب ناقداً لأبناء مهنته ، فحين هممت بالكتابة على هامش الحادثة التي دوت الوسط الإعلامي الباكستاني بقتل الإعلامية الواعدة سائرة خان لزوجها خليل ملك الذي يقدم برنامجاً تلفزيونياً خاصاً ، ترددت كثيراً في الكتابة عن الأمر ؛ربما لمعرفتي بالقتيل ملك ، بالإضافة إلى أنه حين أكتب عن الحادثة والقضية بكاملها ربما يتخيل لي ويتخيل للكثيرين ممن يقرؤون هذا المقال بأنني أكتب عن نفسي أولاً كوني جزءاً من هذا النسيج الإعلامي ، وهو ما يدفعني إلى أن أحجم عنه، وربما ما يُحجم أمثالي عنه، كما أنه حين تكتب عن هذه المسألة أيضاً سيبرز لك بعض الأعداء من وسطك الإعلامي ممن يرون أنك تسعى إلى فضحهم أو كشفهم، وإن كانت القضية ليست كذلك ، فهو وسط مثل كل الأوساط المهنية الأخرى يعتوره الصواب والخطأ ، وليس هناك صواب محض ، كما أنه ليس هناك خطأ محض ؛ فالأمر نسبي .. ملخص الحادثة أن الصحافي خليل ملك يتزوج للمرة الثالثة من إعلامية تدعى سائرة خان لا تتعدى الثانية والعشرين عاماً ، وبعد أن علمت زوجتاه الأولى والثانية بالأمر أرسلت عائلاتهما إلى بيت الزوجة الجديدة ليوسعوه شتماً وقذفاً له ولعائلته ..
، مما ألجأ الصحافي إلى تطليق زوجته الجديدة الشابة سائرة ، فلجأت الأخيرة إلى المحاكم الشرعية التي رفضت تطليق الصحافي لزوجته ، فعادت إلى بيتها ودعت زوجها وأطلقت عليه النار ، ثم أطلقت النار على نفسها فماتا في بيتهما ..
سبق هذا قصة أخرى لمسئول في تلفزيون باكستاني تجاوز عمره الخامسة والستين عاماً ؛ فتزوج من صحافية لديه لا تتعدى الثلاثين عاماً ليقيم معها ثلاثة أيام ثم يطلقها مرسلاً لها في مظروف ثلاثين ألف روبية ، أي ما يعادل الخمسمائة دولار أميركي مع ورقة الطلاق ، وحين تحدثت مع صحافيات وإعلاميات ناشئات شكين كثيراً من طرق تعامل الصحافيين الكبار لهن من حيث استغلال مواقعهن في السعي إلى التقرب منهن،ونحو ذلك من ابتزازات الرئيس لمرؤوسه في بعض الأحيان، ولكون الصحافيات ناشئات لا يعرفن كثيراً عن مداخل وصعوبات الحياة وطرقها المستقيمة والملتوية في التعامل مع الناس ، سيّما وهن أغرار إعلامياً واجتماعياً في التعاطي مع قضايا شائكة وصعبة ، ينضاف إلى ذلك صعوبة الحياة ، وحرص الفتاة الناشئة على شق طريقها ، وربما الترقي في الوظيفة والعمل بسرعة صاروخية، كل ذلك يشكل أشراكا وأفخاخا للفتيات الناشئات، سيما مع انتشار ظاهرة تعدد الزوجات في الوسط الإعلامي باكستانيا وإسلاميا، وإن كان لهذا محاسنه بلا شك، لكن على ألا يكون ضمن استغلال النفوذ والتأثير لدى المسئولين الإعلاميين ....
تحدثني إعلامية شابة فتقول بأنه في أول تجربة إعلامية لها انضمت إلى وسيلة إعلامية مشهورة في باكستان ، وأمضت فيها ستة أشهر لكن المسئول عنها أصرّ على عدم دفع مرتباتها لستة أشهر ما لم تخرج معه في مشاوير أو نزهات وشرب شاي ، باختصار ما لم تشاركه حفلات لا علاقة لها بالعمل المهني من قريب أو من بعيد ، وحين تمسكت بموقفها الرافض للعمل خارج إطار المهنة الإعلامية، أصرّ هو أيضا على موقفه هذا فتخلت الفتاة الشابة عن العمل وخسرت جهدها لستة أشهر متواصلة مع الرجل الذي لم يدفع لها مليما واحدا مقابل أتعابها لستة أشهر خلت ...
عودة إلى السؤال الرئيسي في هذا المقال وهو أنه إن كان الإعلام هو يحاكم من خلال سطوته ونفوذه لدى الرأي العام ، وإن كان يحاكم الجميع بنفوذه في تهديد هذا وتوعد ذاك بطريقة أو بأخرى، والاغلب بديبلوماسية ما بات يعرف بالثورة الناعمة، إن كان الأمر كذلك فمن سيحاكم الإعلام ، ومن الذي سيلجمه عن أخطائه التي يرتكبها ويقترفها ، فقائد الشرطة مثلا يخشى أن ينشر عنه أي شيء ، وكذلك القاضي والمحامي والمسؤول وكل شخص يخشى من سطوة الإعلام ، ويتحول بالتالي بعض الإعلاميين إلى منابع للفساد والرشا المالية لنشر هذا الموضوع أو ذاك ، أو التوقف عن هذا ومدح ذاك ، ولقد جوبهت ببعض القضايا الغريبة العجيبة حين علمت أن بعض شركات الاتصالات الخلوية متورطة مع بعض الوسائل الإعلامية في منحها خطوطاً رخيصة لأجرة المكالمات مقابل عدم التعرض لها ولفسادها ولأخطائها ....
وإن قمنا بتوسيع الدائرة أكثر لنسأل من سيحاكم الإعلام ؟!
فحين يتم تجاهل تغطية أحداث دولة من الدول ، أو حين يتم تجاهل والتعمية على تغطية نشاطات معارضة من معارضات الأنظمة العربية وغير العربية، والتركيز على قضايا أخرى، وحين يقف حارس البوابة في غرفة الأخبار بالمرصاد لكل خبر لا يعجبه، أو يتناقض مع فكره السياسي والحزبي، وحين يتحول حارس البوابة إلى مراقب وسياسي ينصر هذا الفريق السياسي ليهزم الخصم السياسي الأخر ، فحينها من سيقف له وللوسائل الإعلامية ويحاكمها ؟!!
هذه أسئلة كبيرة بنظري لا بد من فتح ملفاتها والحديث عنها ، حتى لا يستشري الفساد الإعلامي أكثر وأكثر ، وحتى لا يُظن أن هناك أبقاراً مقدسة يمكن أن تنجو من المحاسبة والمساءلة ...
|