شامة درشول - الجزيرة توك - الرباط
 لم يعد ال"facebook" ذاك الموقع الإلكتروني المخصص للقاء أصدقاء المدرسة أو الجامعة أو النادي، وللترفيه والتلاقي عبر العالم الافتراضي فقط، بل تحول مع الأيام وتوسع شهرته، وجهود تطويره، إلى ما يشبه ناديا أو متحفا اجتماعيا يهدف إلى لم الشتات، والحفاظ على الذاكرة من الفقدان في متاهات العولمة وصراع الأديان.
وهكذا هو حال المبحرين على بوابته من اليهود ذوي الأصول المغربية، الذين لا يتوانون عن إنشاء مجموعات تخاطب الماضي، وتستفز الحنين إليه، وتهدف إلى إحياء الذاكرة اليهودية المغربية من خلال تقاسم لحظات الطفولة في المغرب، وألذ الأكلات، وأفضل الطقوس، وأحسن العادات..
ومن بين هذه المجموعات نجد الأكثر إقبالا علبها مجموعة "أنا يهودي...أنا مغربي"، ارتأت دعوة كل من يدين باليهودية وجذوره مغربية للانضمام إلى أعضائها الذين يقترب عددهم من الألف، إلا أنها تضع صفات معينة لتقبل بالأعضاء الجدد في مجموعتها كيهود مغاربة حقيقيين، فتقول:
"أنت يهودي مغربي فقط إذا:
- كانت عائلتك تقول لك يجب أداء الصلاة وتقود السيارة نحو الكنيس.
- إذا كان جداك يتذكران جيدا أين كانا يقطنان بالمغرب ورقم الحي والمنزل.
- إذا كنت تقريبا أنت الوحيد في العائلة الذي يكره الكسكس بالزبدة.
- إذا كان جداك يغضبان عندما تقول لهما إنهما فرنسيان
- إذا كان جداك يحاولان الحديث بالفرنسية ويخلطانها بالعربية وفي الأخير لا تفهم شيئا
- إذا كنت تسمع أفراد عائلتك يتحدثون العربية حتى أصبحت رغما عنك تتحدث بها أنت أيضا
- إذا كان جداك غالبا ما يتذكرون حياتهم في المغرب ويعتريهم الحنين إليه ويندمون على مغادرته
- إذا كنت فخورا بكونك مغربي عندما تسأل عن أصولك
- وإذا كنت تذهب على الأقل مرة في السنة إلى المغرب.
هكذا يرى المشرفون على هذه المجموعة أنه فقط من يتوفر على هذه الشروط يعتبر يهوديا مغربيا ويستحق الانضمام إلى المجموعة.
وإذا كانت مجموعة"أنا يهودي...أنا مغربي" حددت هدفها من موقع "الفايس بوك" في لم شتات اليهود المغاربة المنتشرين في بقاع العالم خاصة إسرائيل وفرنسا وكندا، فإن مجموعة أخرى ارتأت أن تخصص هدفها في البحث عن اليهود المغاربة الذين عاشوا طفولتهم في المغرب، واختارت اسما لها "نحب بلدنا المغرب" وتنادي من خلال مجموعتها على "أولئك اليهود الذين عاشوا طفولتهم في المغرب بغية تقاسم ذكريات الطفولة بين دروب المغرب وفي أحيائه في استرجاع جماعي للحنين إلى هذا البلد وتلك الأيام".
في حين تعتبر مجموعة"يهود مغاربة في العالم" أقل تشددا في قبول الأعضاء، حيث رفعت شعارها البحث عن كل من هو يهودي مغربي سواء عاش طفولته في المغرب، أو لا تربطه به سوى تاريخ والديه بالبلاد، والملاحظ في الأعضاء المنتمين لهذه المجموعة اختلاف أعمارهم والبلدان التي نزحوا إليها، في حين تتشابه أسماؤهم العائلية، والمناطق المغربية التي ينحدرون منها.
ووسط هذه المجموعات الباحثة عن الأشخاص والأماكن، تبرز مجموعات أخرى جعلت شغلها الشاغل الحفاظ على الذاكرة المغربية اليهودية، من خلال تبادل كل المعلومات عن الثقافة اليهودية المغربية، وتقاليدها من طبخ، ولباس، وموسيقى، وزيارة أضرحة، وغيرها من الطقوس والعادات والتقاليد التي خلدها يهود المغرب على مر التاريخ الذي عاشوا فيه بهذا البلد لقرون طويلة قبل أن تجرفهم رياح الصهيونية إلى إسرائيل، ورياح الهجرة إلى بلدان غربية.
ولا يكتفي أصحاب هذه المجموعات باستفزاز حنين اليهود المغاربة إلى أصولهم كلاما فقط بل يدرجون معه صورا قديمة تظهر حياة وممارسات أجدادهم في المغرب، ويبرر القائمون على هذه المجموعات اهتمامهم بلم شمل يهود المغرب بأنهم لازالوا لحد الآن على علاقة بموطنهم الأصلي رغم انتشارهم بعد الرحيل منه في مختلف بلدان العالم، وأنهم مستاءون من ارتفاع العداء نحو اليهود المغاربة في المغرب، وأنهم يشتاقون إلى العودة إلى وطنهم الأم "المغرب".
ويبدو أن رغبتهم هذه بدأت تلقى صداها ليس من قبل اليهود المغاربة فقط بل أيضا من قبل أقرانهم من المغاربة المسلمين حيث أنشئت مجموعات على نفس الموقع تطالب بعودة التعايش في المغرب بين أبناء شعبه يهودا ومسلمين، ومنها مجموعة "المغرب بلد المسلمين واليهود" والتي يشرف عليها مغاربة مسلمون، لا يتوانون في دعوة اليهود المغاربة إلى الانضمام إلى مجموعتهم بغرض محاربة كل ما يعكر صفو السلم الاجتماعي بالمغرب، حيث تقول" غيثا رحيمي" المشرفة على المجموعة
إن التاريخ يؤكد أن اليهود والمسلمين عاشوا بالمغرب فترة سلام وتعايش لم تعكرها فرقة الأديان، واختلاف الملل، وأنهم كشباب مغاربة كتب عليهم العيش منعطفات الصراع الفلسطيني والإسرائيلي، وما بعد أحداث 11 سبتمبر، يرفضون أن يبقوا مكتوفي الأيدي، وهم يرون بوادر الخلاف والتطرف والفرقة تنشأ بين أبناء الشعب الواحد، على أساس دين أتى ليجمع ويلم الشمل وليس ليفرق وينشر الأحقاد.
في ظل تناثر هذه المجموعات التي وجدت ضالتها في العالم الافتراضي تتحاور من خلاله وتبحث فيه عن ذاتها وذاكرتها، يبقى السؤال مطروحا:
هل يمكن أن يحقق العالم الافتراضي السلام الذي عجز الساسة عن تحقيقه في العالم الواقعي?
|