|
ماء العينين شبيهن - الجزيرة توك - العيون
يرى الكثيرون مشكل الصحراء ترف سياسي أملته ظروف إقليمية ودولية. ويرى البعض انه تصفية إستعمار لم تتم بطريقة سلسة. وبين هذا وذاك تفاقم المشكل حتى بات من أهم بؤر التوتر في العالم. وعلى امتداد ما يربو عن ثلاثة عقود ونيف ظلت موافق المعنيين بالنزاع تراوح مكانها كسياق عام مع مد وجزر في التفاصيل.
كانت الملكية المغربية بمثابة الفاعل الأوحد الذي يحتكر الملف. ففي تصورها تم إغلاقه نهائيا بمسيرة خضراء في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1975. إذ زحف قرابة 350 ألف مغربي لملء فراغ التواجد الاسباني في الإقليم. واعُتبرت بموجبها الصحراء جزءا من السيادة المغربية عشية رحيل الجنرال الاسباني فرنكو ..
مرورا بالدعوة للاستفتاء الذي رأته تأكيديا لمغربية الصحراء بعد اندلاع الحرب مع جبهة البوليساريو الطرف الثاني في النزاع. وصولا إلى مشروع الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية . بهذا ظل الموقف المغربي يتأرجح بين الانضمام التام (المسيرة الخضراء) والإدماج الجزئي في خطة الحكم الذاتي الموسع كصيغة توفيقية لا غالب فيها ولا مغلوب. وفي جميع الحالات تم الزج، في غياهب السجون، بكل المعارضين المغاربة الذين امنوا، في سبعينيات القرن الماضي، بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ثم معاقبة من سولت له نفسه معارضة قرار "الاستفتاء التأكيدي". وهو استفراد أحادي الجانب لقضية يعتبرها المغاربة من المقدسات.
ورغم ما يبدو من مرونة في الموقف المغربي من القضية ظاهريا إلا أن ثمة صلابة في الجوهر تتمثل في خطاب الممانعة الذي سُوق كثيرا للداخل المغربي. والمتمثل في التأكيد على مغربية الصحراء وكونها جزء لا يتجزأ من البلد وان أي تفاوض لن يحيد عن السيادة المغربية. مما جعل الدبلوماسية المغربية عاجزة أمام نظيرتها الجزائرية في المحافل الدولية.
وفي المقابل ظل الموقف الجزائري من الصراع ثابتا. إذ اعتبر دوما الصحراء أخر معاقل الاستعمار بإفريقيا ويجب تصفيته. تماشيا مع مبدأ الأمم المتحدة القاضي بحق الشعوب في تقرير مصيرها. رغم تلويحها بضرورة تقسيم الصحراء كحل مقابل خطة المغرب للحكم الذاتي. ويعزو البعض التصلب في الموقف الجزائري إلى حرب الرمال بين الجارين على مناطق حدودية. رأت فيها الجزائر، التي حصلت للتو على استقلالها، محاولة من المغرب للاستيلاء على مزيد من الأراضي. وقد تمكنت الجزائر من تأليب ما يكفي من الأصوات في الأمم المتحدة سنة 1975 وإقناعهم بان المشكل يتلخص في "تصفية للاستعمار لم تتم"، رغم إغراءات اتفاقية مدريد التي قضت بتقسيم ثلاثي للصحراء بين المغرب والجزائر واسبانيا.
أما جبهة البوليساريو الطرف الرئيس في النزاع ومنذ تأسيسها سنة 1973 لم تفوت فرصة من اجل استقلال الصحراء. رغم أن موقفها الدائم يقضي بإجراء استفتاء عادل ونزيه ُيخير فيه الصحراويين بين الانضمام للمغرب والاستقلال التام. واستطاعت نقل الصراع وتأجيجه في ما تعتبره المناطق المحتلة وظهور ما بات يعرف في المغرب ب "انفصاليو الداخل". ولم تسلم الجبهة من الانشقاقات بظهور تيارات مختلفة ترى مقاربات أخرى للصراع من قبيل "خط الشهيد". إضافة للجدل الحاد الذي ساد مؤتمر الجبهة الأخير بتيفاريتي والذي عرفت فيه القيادة تصدعا جديا. أدى إلى ظهور مجموعة "اكجيجمات" المثيرة للجدل. أمر كاد يشعل الحرب من جديد.رغم جولات المفاوضات المباشرة التي لم تفض إلى نتائج تذكر.
أطراف ومواقف..
بإستثناء موقف الجزائر الواضح من قضية الصحراء وحياد موريتانيا المكبلة بحقائق التاريخ والجغرافيا وارتباطها العضوي بالصحراء من خلال الموروث الحضاري والثقافي الذي يصل حد التماهي، ظلت مواقف الأطراف العربية الأخرى مؤيدة لوجهة النظر المغربية. أما الموقف الليبي فعرف تذبذبا واضحا. فليبيا تحولت من الداعم الأساسي للجبهة إلى الحياد شبه التام بعد المراجعات الكبرى للسياسة الخارجية الليبية. وعلى امتداد تاريخ النزاع بقي الاعتراف بالدولة الصحراوية مقترنا بحسابات دقيقة تارة لابتزاز المغرب وتارة لتقويض الجهود نحو حل عادل.
لتجمد أكثر من 36 دولة اعترافها بالجمهورية الصحراوية في عهد حكومة الاشتراكي اليوسفي. لكن ظهور قوى متوسطة التأثير تبحث عن دور إقليمي من قبيل جنوب أفريقيا في القارة السمراء وفنزويلا في أمريكا اللاتينية أعاد التوازن للجبهة. وصل الى حد تعهد تشافيس بأن تصبح بلاده الناطق بإسم البوليساريو في المحافل الدولية.
يعد مشكل الصحراء ثانويا في أجندة صانع القرار الأمريكي. فالولايات المتحدة الأمريكية متورطة في أكثر من ملف على المستوى الدولي: كوريا الشمالية، العراق، أفغانستان، الصراع العربي الاسرائلي وأخيرا ملف إيران المفتوح على جميع الإحتمالات بعد وصولها مراحل متقدمة في تخصيب اليورانيوم والقلق المتزايد من الحديقة الخلفية للبيت الأبيض، دول أمريكا الجنوبية. وهي لا ترغب في فقدان أي من حليفيها الاستراتجيين المغرب والجزائر وبالتالي ترجيح كفة طرف على الأخر. كما انها لا ترغب في إقبار مشروع بيكر، الحل الثالث في أدبيات الصراع، الذي يقضي بحكم ذاتي لخمس سنوات ثم إستفتاء. وهو ما يجعله مزيج بين الخطتين المقدمتين على الطاولة.
موقف فرنسا بقي ثابتا في مجمله خاصة بمواصلة اليمين إدارة دفة الحكم. ومع ذلك بقي الموقف الفرنسي مبهما فهي أيدت خطت بيكر التي تفضي في إحدى مراحلها الى تقرير المصير. أما إسبانيا، التي كانت تستعمر الإقليم، فموقفها ظل مؤيدا في كثيرمن مراحله لجبهة البوليساريو. بل إن ثقلها في الملف واضح. فهي التي ضغطت على الأمم المتحدة من أجل تعيين بيتر فان والسوم كممثل خاص للامن العام في الصحراء. وبقي موقف باقي الأطراف الوازنة في المنتظم الدولي متماشيا مع السياق العام المتمثل في ضرورة حل سياسي عادل ونهائي لقضية الصحراء.
بات من المؤكد أن قضية الصحراء على مفترق طرق حقيقي. خاصة بعد فشل الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع بمنهاست بالولايات المتحدة الأمريكية. وفي ظل التصريحات الأخيرة لممثل الأمين العام في القضية، بيتر فان والسوم، الذي لوح بعدم واقعية إستقلال الصحراء.وهو متحول آخر يفتح الباب أمام قراءات مختلفة بشأن الصراع.
|