|
الحقائق القانونية على الأرض |
|
|
|
23/04/2008 |
|
أحمد منصور ـ الجزيرة توك
حينما التقيت في الأسبوع الماضي مع الدكتور أنيس قاسم المستشار القانوني للوفد الفلسطيني المفاوض فى واشنطن ومدريد الذي كان يرأسه الدكتور حيدر عبد الشافي والذي استقال بعدما اكتشف أن كل المفاوضات التى كانت تتم فى واشنطن كانت غطاء لمفاوضات سرية كان يقوم بها كل من محمود عباس أبومازن وأحمد قريع أبو العلاء في أوسلو هي التى تمخضت عنها اتفاقية اوسلو بعد ذلك ، تلك الأتفاقية التي تظهر يوما بعد يوم أنها أخطر من كل ما حدث من تنازلات من قبل العرب للأسرائيليين خلال الستين عاما الماضية من الصراع العربي الصهيوني ، فقد أبلغني الدكتور أنيس قاسم باعتباره أحد خبراء القانون الدولي ورئيس تحرير الكتاب السنوي الفلسطيني للقانون الدولي أن اتفاقية أوسلو لم تتضمن فى كل صفحاتها كلمة واحدة عن الاحتلال الاسرائيلي ..
ليس لفلسطين التاريخية وإنما حتى للضفة الغربية وقطاع غزة وأن كلمة الضفة الغربية لم تأت علي الأطلاق فى أي من بنود الأتفاقية وإنما ما ورد هو المصطلح الصهيوني للضفة الغربية وهو يهودا والسامرا ، أما غزة فقد أطلقوا عليها عزة ، كما أن أوسلو لم تتحدث من قريب أو بعيد عن أي نص أو كلمة واحدة تتعلق بما يسمي بالدولة الفلسطينية ، وأن الأتفاقية فى مجملها معقدة تمام التعقيد فى صياغتها فعند الحديث عن البند واحد مثلا ، نجد أن البند واحد مقسم إلي عدة بنود وكل بند يتم إحالة كل جملة فيه إلي بنود وأرقام أخرى أكثر تعقيدا تتناثر فى ثنايا الأتفاقية بحيث يصعب حتى علي القانونيين فهم ما فيها ، وأن الأتفاقية بكل بنودها تم صياغتها وإعدادها من قبل الأسرائيليين وأن كل مهمة الطرف الفلسطيني هو أنه كان يعترض علي كل بند ثم يعترض ثم يعترض حتى يثبت مواقف إعلامية فقط للتصوير لكنه فى النهاية كان يوقع علي كل ما يريده الأسرائيليون حتى دون فهم فى كثير من الأحيان لما كانوا يوقعون عليه حيث لم يكن يوجد بينهم خبراء فى القانون الدولي حتى يفسروا لهم ما يوقعون عليه ، وفي النهاية كان ما وقعوا عليه هو أنهم أصبحوا مقاولين من الباطن لسلطات الأحتلال الأسرائيلي ينفذون ما يطلب منهم دون أن يكونوا دولة أو يملكون حتى مجرد الأنتقال من مكان إلي آخر دون إذن من الحاكم العسكري الأسرائيلي .
أما ما يتعلق ببناء السلطة الفلسطينية فقد أبلغني أحد المسئولين الذين شاركوا فى جانب من التفاوض مع الأسرائيليين أن إسرائيل هي التى وضعت كل الأسس المتعلقة ببنية السلطة الفلسطينية وأن وزير الأمن الداخلي الأسرائيلي هو الذي وضع بنية الأجهزة الأمنية الفلسطينية وعلي رأسها ما يسمي بجهاز الأمن الوقائي وأن الأسرائيليين هم الذين حددوا لياسر عرفات رئيسي هذا الجهاز فى كل من الضفة وغزة ، وأن عرفات في النهاية لم يكن أمامه سبيل سوي الموافقة لأنه كان متعجلا علي المشي علي البساط الأحمر ، وأن يعزف له السلام الوطني ويكون لديه سلطة وليس دولة ، حتي وإن كانت خاضعة لسلطة الحاكم العسكري الأسرائيلي ، وفي النهاية دفع ثمن خطئه ، فظل محبوسا أمام العالم أجمع بيد الذين تنازل لهم عن الوطن وفي النهاية تخلصوا منه ، حتي يأتوا بغيره ليتنازل لهم عما بقي .
كل ما يحدث الآن هو الترتيب للتوقيع علي تشريعات قانونية جديدة تمنح إسرائيل الحق فيما تبقي مما ليس لها حق فيه ، فبعد أن تنازل الحكام الذين اتهموا بالخيانة قبل ستين عاما عما لا يملكون ، يأتي آخرون بعد ستين عاما لتكون لهم فلسفة أخري ، فلسفة القبول بالأمر الواقع ، وكأن العجز مبرر للتنازل عن الأوطان ، ونفس الذين تفاوضوا سرا فى أوسلوا ثم وقعوا علي أن يكونوا " مقاولين من الباطن " لسلطات الأحتلال حسب التوصيف القانوني الذي أطلقه الدكتور أنيس قاسم يتفاوضون الآن سرا أيضا علي ما أعده لهم الأسرائيليون ليوقعوا عليه ، لكن ضربات المقاومة فى غزة المحاصرة وانتهاء دور الأمن الوقائي هناك الذي كان يتبع وزارة الأمن الداخلي الأسرائيلية يجعلهم لا شك مرتبكين أشد الأرتباك ، ويسعون بسرعة للترتيب للمؤتمر الدولي الذي يرغبون في عقده في شرم الشيخ تحت غطاء بوش ربما ينجزون من خلاله شيئا بعد ثماني سنوات من الفشل ، لكن إذا كانت اتفاقية أوسلو حسب التوصيف القانوني الدولي هي اتفاقية باطلة لأنها صنعت علي يد المحتل ووقعها أناس تحت الأحتلال الكامل فأني لأي شيء يفرض علي الواقع بعدها أن يكون قانونيا ؟ ، وإذا كان معظم الناس لا يعرفون شيئا عن تفاصيل تلك الأتفاقية المعقدة فهل آن الأوان لكشف محتوياتها لا لنعرفها ولكن لنعرف حجم ومساحة وطبيعة دور مقاولي الباطن الذين يعملون بشكل رسمي لسلطات الأحتلال الاسرائيلي منذ خمسة عشر عاما تحت مسمي " السلطة الفلسطينية " .
|