أمجد شلتوني - الجزيرة توك
لست أعرف علمين أو فنين اقترنا تاريخيا كما اقترن الغذاء بالدواء!
وفي عالمنا العربي فإن ثمة مذاقا خاصا للعلاقة بين الأمرين جرب أن تفتح أية صحيفة للإعلانات فستجد أن مقابل كل مطعم يدعوك لتذوق ما لذ وطاب من معجناته ومشوياته فإن ثمة عيادة أو مستشفى جديدا يدعوك لتجربة أحدث منتجاته الطبية!
واذا كان ميدان الطعام في الغالب معروفا بمكوناته الأولية التي تتسابق إلى نيل الأبصار والأفواه فإن المستشفيات لم تعدم وسيلتها أيضا للترويج!
الغريب أن هذه العيادات والمستشفيات تتبارى بينها في تقديم خبراتها المعقولة واللامعقولة وتتنافس في تقديم لائحة الأمراض التي تتصدى لعلاجها على نحو لا يبدو معه أن ثمة مرضا يستعصى على الأطباء(أمراض السكري والسرطان والعقم....) وتصبح معه كلمة لا أدري جزءا من التاريخ!
حدثني من أثق بعلمه عن امتحان الطب في دول غربية أن الامتحان خصص علامة كاملة للإجابة الصحيحة وصفرا للأجابة بكلمة لا أدري لكنه لا يتسامح أبدا مع الإجابة الخاطئة لأنها حين تأتي من طبيب فقد تكون اجتهادا قاتلا!
المشكلة ان اللا أدري هذه على صفحات امتحانات الطب قد تكون بالنسبة للكثيرين من الأطباء اخر مرة يتعاملون فيها مع هذه المصطلح ثم تتعدد الفتاوى بعد ذلك على حساب المرضى!
وفي حين يحدث هذا في ميدان الطب الحديث فإن ميدان الطب الشعبي التقليدي لا يبدو أحسن حالا.
دخلت الأسبوع الماضي على محل للعطارة سائلا عن صنف ما فقدم لي لائحة بخدماته هذا جانب من عباراتها(تكبير تصغير تنحيف تسمين تطويل تقصير توسيع تضييق) وهكذا تجد الشيئ ونقيضه في كل حالة من الحالات على نحو يوحي بأن صاحبنا سبق كل كليات الطب في تقديم وصفات يعلم الله وحده كم يكون حظها من الفائدة أو الضرر!
وفي الحالتين الطب الحديث والطب التقليدي يبقى الواحد منا مختبرا للتجارب حين تغيب كلمة لا أدري!
والمشكلة أنه كلما ضاقت دائرة اللا أدري اتسعت دائرة اللا تسأل خاصة في ثقافة عربية لا تحب السؤال وتحصره في نطاق ضيق حين تعتبر أن السؤال لغير الله مذلة ويتغنى شعراؤها في كل زمان بقصائد مطلعها لا تسلني ولا تسل!
ويصبح بذلك السؤال عند الأطباء لونا من التشكيك في التشخيص يحتاج الكثير من المقدمات!
قرأت يوما أن طبيبا كتب على لوحة الكشفية أنه يتقاضى مئة دينار مقابل سؤالين فقط وحين حاول احد المرضى استعطافه قائلا ألا ترى أن مئة دينار مقابل سؤالين فقط هو مبلغ باهظ بادره الطبيب بالقول لا أظن ذلك ما هو سؤالك الثاني!؟
|
الحمد لله أنه لم يعتبر سؤاله هذا السؤال الأول المسموح له به .
أخبرني أحد أصدقائي بوفاة جدته على ما أذكر بسبب خطأ من أحد الأطباء الشعبيين ، رغم شهرته وشطارته ، ولكن هذه هي الحياة ، ويبقى من حقنا أن نتأكد من المعالج قبل تسليم رقابنا له .