|
دمعة لم توقف.. النهب والسلب
أحمد الزاويتي ـ الجزيرة توك ـ أربيل
يوم السقوط.. كان بالنسبة لنا ـالصحفيون في اربيل ـ الهدوء بعد العاصفة.. والصمت بعدالضجيج..
ففي الوقت الذي كنا نترقب التطورات في تقدم الجيش الامريكيمن الجنوب باتجاه بغداد، وتعثره هناك امام مقاومة شرسة كانت تقف في طريق التتقدم، والبصرة في اقصى الجنوب كانت لا تزال صامدة، او نترقب فتح جبهة في الشمالوبالتالي توجه الجيش الامريكي من الشمال باتجاه الموصل وكركوك لاحداث ضغط اضافي علىبغداد، التي كانت محاطة من الجو لا بسماء ترحمها بل تحت رحمة صواريخ وطائرات لم تكنتعرف للرحمة من معنى، في بعض اللحظات كانت تتحول بغداد امام اعيننا على شاشات التلفاز الى كتل من نار..
لم يتم فتح جبهة قتالية في الشمال الأمر الذي كان متوقعا، ولم تحصل مواجهاتبرية في الشمال، عدا ما كان يحصل من قصف جوي وصاروخي أمريكي على قطاعات الجيشالعراقي الذي كان قد استعد لمواجهة هجوم بري متوقع من الشمال من الاراضي التي تقعتحت سيطرة سلطات اقليم كردستان العراق.. وكان ذلك قد انهك تلك القواتالعراقية..
الامر على هذه الحال جعلنا نقتنع بأن المعركة ستطول أكثرمما كنا بعض العراقيين نتوقعه، وستصبح قناعة بعض العراقيين الآخرين ومعهم غالبيةالجمهور العربي ان السقوط اذا قدر له فستسبقه اشهرا طويلة، هي القناعة الاقوى.. وفي طريق ذلك ستنهكالقوة الامريكية ومن معها من متحالفنين.. وقد تختلط لديها الأوراق..
مناظر السلب والنهب صباحا في بغداد،والاستعراض العسكري المريح للجيش الامريكي في ساحة الفردوس عصرا، واسقاط التمثال بايد عراقية،واختفاء الصحاف وزير الاعلام العراقي امام عدسات التلفزيون، وانتهاء استعراضاتهالصحفية، كل ذلك احدث انقلابا في سير ما كان ينتظر، وما كان متوقعا، و أحدث صمتا بعد ضجيج، وهدوءا بعدالعاصفة.. هدوءا مشوبا بالقلق من تطورات الاحداث والى اين ستتجه خاصة لا تزالالامور حتى تلك اللحظات غامضة بالنسبة لمصير الرئيس العراقي وفريق قيادته، ولعمومحزب البعث، والجيش والحرس الجمهوري وما كان يسمى بفدائييصدام..
توجهت عدسات التلفزيون الى بغداد وركزت عليها، وابتعدتقليلا عنا نحن في اربيل.. لكن الآن لا بد ان نستعد بما سيحدث من تطورات في كلتاالمدينتين المهمتين القريبتين منا وهما الموصل ثاني او ثالث اكبر المدن العراقيةبعد بغداد والبصرة، المدينة التي فيها خليط عربي كردي تركماني، اسلاميي مسيحي، معبعض من الشيعة بين الشبك وغيرهم في ضواحي المدينة.. وكركوك التي هي ايضا خليط لكنما يميز كركوك عن الموصل هو الطلب الكردي القديم الجديد بانها مدينة ضمن مدن اقليمكردستان العراق وكثيرا ما يبرهنون ذلك بأدلة تاريخية وجغرافية، وتحركوا في سبيل ذلكعلى المعارضة العراقية في مؤتمراتها قبل الحرب الامريكية على العراق، اذن مدينة هيهذه لابد انها تثير الفضول الاعلامي خاصة اذا كان هناك دخولا كرديا من اربيلوالسليمانية باتجاه المدينة الأمر الذي كان متوقعا..
اذن رغم الهدوء بعد العاصفة، والصمتبعد الضجيج الذي حدث بسقوط بغداد.. فنحن أمام عاصفة أخرى تعقب الهدوء غير الطبيعيالذي حدث، وضجيج آخر.. وسيكون مميزا عما كنا فيه في تنقلاتنا من السليمانية شرقاالى دهوك غربا.. سيكون باتجاه الموصل وكركوك.. ولذلك استعدت الجزيرة حتى في الدوحةلارسال مراسل آخر الى منطقتنا يساعد وضاح وكان ذلك هو يوسف الشريف الذي كان يستعدللقدوم الينا من تركيا..
حنين لربيعَيِّ الموصل، يصبح سرابا بعد حضور..
يوم التاسع كان سقوط بغداد، الأمر الذي كان مفاجئا لجميع المحافظات العراقية الأخرى، التي بدأت القوات العراقية المتمركزة فيها بالتراجع والتخلي عن مهماتها التي انيطت بها، والاختفاء، لأن ببساطة القيادة اختفت، والعاصمة سقطت، مدينة الموصل في العاشر من نيسان ( الخميس ) كانت تعيش صمت الصدمة، ولم تتقدم قوات البيشمركة الكردية والتي كانت تحل محل القوات العراقية المنسحبة من قصبات ومجمعات والقرى الشمالية للموصل من دهوك باتجاه الموصل، وكذلك من اربيل باتجاه الموصل، هذه القوات لم تدخل الموصل في العاشر من نيسان يوم بعد سقوط بغداد.. لم تدخل اما تجنبا لصدام كان قد يكون كافيا لتحويل القضية الى حرب أهلية فيما وقف في طريقها قوى من الموصل، او لكون اوامر لم تاتيها بذلك، او كونها لم تتأكد بعد من انسحاب القوات العراقية واداراتها.. نتلكم الآن عن العاشر من نيسان يوم بعد سقوط بغداد.. سواء كانت تلك هي التي ذكرناها، هي الاسباب، او اسبابا اخرى لا نعرفها.. كان يوم الحادي عشر من نيسان غير العاشر منها.. يوم ( الجمعة ) يومين بعد سقوط بغداد، كان هو يوم سقوط الموصل.. وحصول اكبر موجة من سرقة ونهب عرفته تاريخ المدينة في المدينة.. اكبر انهيار تاريخي للادارة والمؤسسات الحكومية.. وحصول اكبر موجة بشرية هائجة لم تعرف للمدنية والحضارة من قيمة، في تاريخ المدينة..
نحن كصحفيين في مدينة اربيل تفاجأنا صباح الحادي عشر من نيسان، بتوجه الصحفيين باتجاه الموصل، وكذلك بتوجه الكثير من المواطنين بسياراتهم وعندما كنا نسألهم كانوا يقولون سيتوجهون لمعرفة احوال اقرباءهم اللذين يسكنون هناك..
فريقنا بقيادة وضاح خنفر وكنت الدليل، لأنني اعرف مدينة الموصل واعرف مناطقها فكنت طالبا لمدة خمس سنوات في جامعتها، ورغم انني لم ازرها منذ أن تخرجت من هذه الجامعة عام 1991 الا أن الموصل هي الموصل لم تطرأ عليها ملامح تغيير كبير، وكنت اعرف الطريق الموجه الى جامعة الموصل واقترحت على وضاح أن نتوجه باتجاه الجامعة، وهو استحسن الأمر..
في وسط الطريق بين الموصل واربيل كانت هناك سيطرة من القوات الكردية تمنع عبور اي سيارة من خلالها باتجاه الموصل، الأمر عقد علينا مهمتنا، انتظرنا لأكثر من ساعة مع كم آخر من صحفيين عراقيين واجانب كانوا يريدون التسابق للوصول الى هناك لنقل صور لسقوط المدينة.. بعد اتصالات من الصحفيين بهشيار الزيباري الناطق باسم المعارضة العراقية ومسؤول العلاقات الخارجية للحزب الديمقراطي الكردستاني ـ في حينها ـ سمحت السيطرة بعبور الصحفيين فقط ومنع المواطنين الآخرين من العبور، واجبرتهم السيطرة على الرجوع الى اربيل، عبرنا السيطرة وكلما كنا نقترب من الموصل كنت اترقب مشاهد سقوط المدينة التي احببتها، كيف ستكون، تلك المظاهر لم تبدو في البداية، كنت اشعر بسعادة واريحية في داخلي واحمد الله على ذلك ظنا مني ان ما حدث في بغداد من سلب ونهب سوف لن يحدث في الموصل، فلا نرى ناسا يخرجون من الموصل باتجاه ما جئنا منها ( من اربيل ) الا ان ظننا قد خاب..
يوم مشهود، بالنهب والسرقة..
في اول حي من الموصل راته اعيننا اقشعرت منه الجلود من مظاهر سلب ونهب فظيع لم تراه عيني من قبل.. كلما تقدمنا للامام باتجاه عمق المدينة كانت المظاهر تلك تكثر وتشتد وتزداد وتتكثف، فرقا من الناس وزعت بينها المهام تسرق بانتظام في سيارات وعربات وبالاكتف والاظهر، ترى كل شيء يحمل على كل شيء.. اطقم القنفات واجهزة الكومبيوتر والتلفاز والابسطة والاثاث وكل شيء فعلا.. كل شيء.. ذو قيمة وما لا قيمة له تراه على السيارت القديمة والحديثة وفي العربات وعلى اظهر الدواب واظهر البشر او تسحب في الشارع، بعد كل خطوة واخرى تكسر شيئا من الشيء المسروق، ولا مبالات من السارق، فلم يكلفه الشيء تلك شيئا سوى فقدان لحياء لم يكن يشعر بان له ذلك الحياء.. وقيل اذا لم تستح فاصنع ما شئت..
اراد الفريق نصب جهاز البث ونقل المشاهد التي تثير فضول الكاميرة في الطريق قبل الوصول الى عمق المدينة، الا انني اصررت على اقتراحي بالتوجه الى الجامعة، لا ادري لماذا؟! الا ان الموصل كانت تعني لي الجامعة والجامعة كانت تعني لي الموصل! وكانت هناك قوة كامنة تدفعني الى هناك، رغم الخوف الكبير الذي كان يحاول ان يبقيني من التقدم الى هناك كي لا ارى ما اخشى ان اراه، في شارع المجموعة كانت المظاهر هي هي.. مظاهر تجعل النفسية والروح والشعور وكل ما يملكه الانسان من صفة انسانية لا حيوانية تتقزز، فكنت اشعر بالتقزز، في ذلك الوقت كنت نسيت انني صحفي الذي يجب ان لا يتأثر كي يقوم بمهامه، لكنني تاثرت..
عندما يكون الانسان ضعيفا.. كنت اشعر في تلك اللحظات بضعف لم اشعر به طوال حياتي، فلا اضعف من الانسان عندما لا يكون له حول ولا قوة من وقف شيء لا يريد ان يراه.. شعرت بذلك الضعف ايضا عندما وصلنا الى مواقع الجماعة الاسلامية في كردستان بقيادة علي بابير، في خورمال على الحدود الايرانية من السليمانية، في اول يوم من الحرب الامريكية على العراق، عندما قصفتها القوات الامريكية فجعلت مقارها وكأن لم يكن هناك بناء او انسان او حياة، قطع بشرية اختلطت بمواد بناء متناثرة، لم نكن نستطيع التميز بين ما هو قطعة يد او رجل أو اي جزء آخر من انسان، وبين لبنة بناء، بين رأس او جزء من راس انسان وبين تراب، وبين تلك وتلك ايات كريمة من مصحف ممزق، او احاديث شريفة متناثرة ومنفصلة من صحيح البخاري او مسلم.. عندها عرفت ان لا انسانية في انسان يريد الحروب ويريدها ان تدوم..
شارع المجموعة، بين زمنين..
شارع المجموعة طالما جذب شوقي له، فلي مع الشارع ذكريات وذكريات لخمس سنوات من مرحلة الجامعة.. الشارع الذي كان الناس يسيرون امامه بهدوء، وانغماس في التفكير والانشغال بالعلم والمعرفة، وكان فيه العشاق من الطلاب والطالبات، يقومون بمهام المشي المعروف به، الشارع الذي امتزج به ذكريات المحال والمكاتب التي دخلت فيها واحدا واحدا على مر خمس سنين من الحياة الطلابية، فبين استراحة في مقهى أمام الجامعة، وبين أكل لسندويجة او ( لحم بعجين ) اشتهر به شارع الجامعة او مكتب لاستنساخ محاضرة فاتت مني، وكم كانت هي كثيرة.. وبين مسجد امام باب الجامعة لا زلت متلذذا بصلاة التراويح في ليالي رمضان الموصل فيه، وبين منظر اقل ما يقال فيه هو خلية نحل لم تكن تتوقف من حركة بناء ثقافي امام باب جامعة الموصل، كل تلك كانت مناظر تسابقت في اخذ مكان لها في لوحة متحف فتح جديدا، وكان هو متحف ذكرياتي في جامعة الموصل وامام بابها.. هناك امام باب الجامعة المناظر تلك كانت تعطي بدورها جمالا لجمال الموصل وجمال جامعيتها، وكانت اللوحات تلك تصنع لنا الربيعين الاسم الذي سمي به مدينة الموصل..
دمعة وفاء وسط محيط من النهب والسرقة..
لم تكن تساوي شيئا..
هناك أمام اول باب وصلناه من اتجاه حي النبي يونس، نزلنا من سيارتنا اللاندوكروز ونزل المصور ( علي صبري ) ونزل وضاح لنستنطق عقلاء شباب اصلاء من الموصل لم يكن في ايديهم شيء مسروق او منهوب يعيشون هول المنظر.. ورهبة الفاجعة.. واقفين امام باب الجامعة.. لنستنطقهم عن حقيقة الأمر.. هناك كدت انهار لم استطع السيطرة على نفسي عندما كنت ارى سارقا آخذا شاشة كوبيوتر لا يعرف قيمتها، شاشة بدون ملحقاتها، وارى آخرا حاملا لكونترول كومبيوتر لوحده ولا يعرف ايضا قيمته، وارى آخرا حاملا لاوراق ومستمسكات ادارية لكلية من الكليات، لا يعرف ما قيمتها، ولا الكلمات التي كتبت فيها، ولا يعرف ان فيها تاريخا علميا، وثقافيا، لا تعوض بقية، وان ذلك التاريخ بين يديه لا تساوي شيئا له.. وآخرون سارقين لاثاث ربما لم تكن تساوي التعب الذي يلاقونه من اجل نقله.. ورايت من بعيد من يرمي هذه الاجهزة كومبيوتر بمرفقاتها.. وكراسي ومناضد من الطوابق العليا لبعض عمارات الجامعة، لينزل بعد ذلك لينقلها بعربة او سيارة، وهي محطمة!!
رايت هناك مجتمعا لم اسمع به ولم اقرا عنه.. وهناك اقتنعت ان الكثير من الناس دون نظام وقانون وخوف من سلطة يتحول الى وحش كاسر، قد لا يكون كبير فرق بينه وبين حيوان غابة..
|